فهرس الكتاب
الثاني: أنه النهر الجاري، قد جعله الله تحت قدميها لتشرب منه وتتطهر من النفاس. ويُقال: إنه كان نهرًا قد انقطع الماء عنه فأرسل الله الماء فيه لمريم (عليها السلام) .
والرأي الثاني منهما هو الأرجح وذلك بقرينة السياق، المتأخرة، في قوله تعالى: {فَكُلِي وَاشْرَبِي} (مريم: 26) [1] ، وهو أمر لها بالأكل من الرطب الجني، والشرب من السري، إذ لايوجد سواه لتشرب منه.
ومن القرائن المتأخرة، قوله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (النساء: 17) .
فالمراد بالقريب هنا: العهد القريب أو الزمان القريب، وهو ما قبل ظهور آيات الآخرة وقدوم الموت بقرينة السياق بعدها، في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآن} (النساء: 18) ، فحضور الموت، والتوبة عنده قرينة سياقية على أن المراد بقريب هو قرب الموت [2] .
فبذلك تكون القرينة السياقية من المحاور الأساسية التي اعتمدها المفسرون في الوصول إلى الدلالة الصحيحة للنصوص القرآنية، فضلًا عن معنى المفردة، وقرينة الحال، والقرينة العقلية، وتكون القرينة الفيصل فيه، في ترجيح دلالة دون أخرى من خلال النظر إلى القرائن التي فيه، سواء أكانت محيطة بالنص مكتنفة إياه، أم كانت متقدمة عليه، أو متأخرة عنه. ولولا وجود القرائن السياقية لم نتوصل إلى المقصود في كثير من النصوص القرآنية.
ج - القرائن السياقية المكتنفة:
(1) ينظر: الكشاف 2/ 507؛ ومجمع البيان 6/ 511، والميزان 15/ 43.
(2) ينظر: الكشاف 1/ 512؛ والميزان 4/ 256 - 257؛ ودروس تمهيدية في آيات الأحكام 2/ 872 - 873.