فهرس الكتاب
ولو أرجعنا لفظة (التضرع) إلى أصل معناها اللغوي لوجدناها لا تتناقض مع (الخفية) فهي تدل على الضعف والذل، وإنما عُبّر عن الجهر في الدعاء بالتضرع؛ لأنه يؤدي إلى تجسيم الحدث فيكون الجهر بالدعاء مناسبًا لعظم المصيبة النازلة بهم، ولذا قابله بالخفية، الذي يكون الدعاء به في بداية نزول المصيبة فيكون الأمل بانقشاعها لا يزال كبيرًا.
(2) التقابل بين (الاعمى والبصير، والظلمات والنور، والظل والحرور، والأحياء والأموات) :
ضمت سورة (فاطر) أكثر من تقابل دلالي بين الالفاظ المتضادة، وذلك في قوله تعالى، وهو يضرب مثلًا للمؤمن والكافر وتبعات أعمالهما [1] : {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ - وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ - وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ} (فاطر: 19 - 21) .
وردت في الآية الكريمة تقابلات بين ألفاظٍ عِدّة، وهي: (الاعمى والبصير) ، و (الظلمات والنور) ، وهو تقابل النقيض مع نقيضه. فالاعمى نقيض البصير، والظلمات نقيض النور. هذا إذا كانت دلالة لفظة تقابل دلالة لفظة أخرى، من حيث هي دلالة، لا من حيث انتقال الأمر من حالة إلى أخرى، فمثلًا في التقابلات السابقة، لوكان التقابل بين دلالة البصر ودلالة العمى بأنهما حالتان منفصلتان عن بعض، وكذلك النور والظلمة، لأصبح لدينا تقابل بالنقيض، أما لو كان التقابل بينهما على أساس الانتقال من الظلمة إلى النور، أو انتقال البصير إلى العمى، أو العكس، لأصبح لدينا تقابل بالخلاف، فيكون لدينا تعدد المتقابلات في سياق واحد، بين أسماء متقابلة بالخلاف، وقد خُتمت بالتقابل بالضد.
وكما هذه المتقابلات متناقضة و (( لا تستوي هذه الاشياء ولا تتماثل ولا تتشاكل، فكذلك عبادة الله لا تشبه عبادة غيره ) ) [2] .
(1) ينظر: الميزان 17/ 36.
(2) مجمع البيان 8/ 405.