يحضروه قريبا من عرشه و أن يبسطوه أمامه على الأرض، و أن يشدوا رجليه و يديه إلى أربعة اوتاد مثبتة في الأرض، و أن يتركوه على هذا الحال حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة. و استمع الأسير إلى هذا الحكم القاسى فأرغى و أزبد و شتم السلطان بأبذأ العبارات و أردأ الشتائم ثم أخذ يصيح و يبكى قائلا: ما هكذا يموت مثلى هذه الميتة الشنعاء ... !! و استولى الغضب و الحنق على «ألپ أرسلان» فأشار إلى رجاله أن يبتعدوا عن الأسير و أسرع إلى قوسه و رماه بسهم يريد قتله في التو و الساعة، و لكن المهارة التى امتاز بها في الرماية خانته في هذه اللحظة الحرجة، فخاب سهمه، و أخطأ هدفه؛ و هجم الأسير و قد وجد نفسه طليقا لا يمسك به أحد و لا يعوقه قيد على «ألپ أرسلان» فجرحه جرحا مميتا في خاصرته بواسطة خنجر كان يخفيه في طيات ثيابه، و قد حدث كل ذلك في سرعة خاطفة، لم يستطع فيها أحد من الحراس أن يتدخل لإنقاذ السلطان، و كان الحراس في هذه اللحظة يبلغون الألفين من حوله. و أسرع «گوهر آئين» لنجدة سيده و لكنه أصيب أيضا بجملة من الجراح، و تمكن «فراش» في النهاية من قتل هذا الرجل المستيئس بضربه على رأسه بعصاه التى كان يحملها. و انقضت على ذلك فترة طويلة ثم تعارك ابن هذا الفراش مع واحد من أتباع الخليفة في بغداد فقتله تابع الخليفة و احتمى بحرم الخلافة حيث لا يمكن أن تمتد إليه يد ... و أتى الفراش إلى «ملكشاه» و طلب الثأر لابنه المقتول و قال له:
«يا مولاى ... ! افعل بقاتل ابنى مثلما فعلت بقاتل أبيك .. !!» و شاء الخليفة أن يدفع لوالد القتيل فدية تبلغ عشرة آلاف دينار حتى يتخلص من تفتيش بيته و لكن «ملكشاه» رفض ذلك و أصر على المطالبة بالقاتل حتى سلم إليه فأمر بقتله.
و بقى «ألپ أرسلان» على الحياة يوما أو يومين بعد جرحه، و كانت هذه الفترة كافية لأن يملى على وزيره المخلص «نظام الملك» وصاياه التى يريدها؛ و خلاصتها أن يتولى ابنه «ملكشاه» العرش في مكانه؛ و أن يتولى ابنه «أياز» ولاية بلخ ما عدا قلعتها فإنها تكون في يد أمير من أمراء «ملكشاه» ؛ و أن يستمر أخوه «قاورت» حاكما لكرمان و فارس «1» و مات بعد ذلك «ألپ أرسلان» مطمئن البال مستسلما لقضاء اللّه. و أثر عنه أنه قال و هو يجود بأنفاسه الأخيرة:
(1) انظر «البندارى» ص 47.