فهرس الكتاب
و أمانة و حماس دينى و احتقار للمنافقين و المخادعين و شجاعة منطقة النظير، لا نكاد نصادفها- فيما أعلم- في أى شاعر فارسى آخر. و أود بصفة خاصة أن ألفت نظر قراء الفارسية إلى قصيدته الرائعة الرقيمة 102 المنشورة في صفحتى 146 و 147 من ديوانه طبع تبريز. و قد كان بودى أن أنقل إليهم ترجمتها لو لا أنها- لسوء الحظ- مشحونة بالمصطلحات الفنية المتعلقة بمراسم الحج بحيث يصعب ترجمتها أو فهمها ما لم يستعان على ذلك بقدر كبير من الشرح و التفسير. و قد أخذ «ناصر خسرو» في هذه القصيدة يصف خروجه لاستقبال الحجاج الراجعين من مكة و ترحيبه بمقدم صديق بينهم؛ فلما تبادل الصديقان تحية اللقاء قال «ناصر خسرو» لصاحبه:
-خبرنى ... كيف مجدت هذا «الحرم» المقدس ... ؟!
و على أى شى ء عقدت نية «التحريم» عند ما لبست ملابس «الإحرام» .؟
و هل حرمت على نفسك الخطايا بأنواعها و كل ما يفصل بينك و بين اللّه.؟
و أجابه صاحبه بالنفى، فالتفت إليه «ناصر خسرو» و استمر يقول:
-ألم تسمع صوت اللّه عندما أخذت في «النلبية» و ألم تجب كما أجاب موسى ربه .. ؟
و أجاب صاحبه ثانيه بالنفى، فاستمر «ناصر خسرو» يقول:
-و عندما وقفت على جبل عرفات و أخذت في السعى، ألم تصبح «عارفا» باللّه و منكرا لذاتك.؟ و ألم تصل إلى مشامك نفحة من نفحات المعرفة .. ؟
و أجاب صاحبه مرة ثالثة بالنفى، و استمر «ناصر خسرو» على هذا المنوال يسأله عن مدى فهمه للمعانى الرمزية التى تنطوى عليها مراسم الحج، و استمر صاحبه يجيب بالنفى حتى انتهى «ناصر خسرو» إلى قوله:
- «اعلم إذن .. يا صديقى .. أنك لم تؤد الحج بمعناه الصحيح، و لم تصل إلى مقام إنكار الذات، و كل ما فعلت أنك ذهبت إلى «مكة» و عدت منها بعد ما تجشمت مشاق الطريق و وعثائه لقاء ما أنفقت من مال و دراهم، فإذا شئت بعد الآن أن تؤدى فريضة الحج فما عليك إلا أن تسترشد بما علمتك و أن تتبع ما أخبرتك به».