فهرس الكتاب
و لكنهما فيما بعد اعتنقا الدين الإسلامى و أصبحا من أكبر المتفقهين في تعاليمه «1» .
و مهما قيل في غارة المعول و أنها كانت كارثة كبرى أصابت صميم الحياة و أنها جنت على العلوم و المعارف و خاصة الحضارة العربية التى استطاعت أن تحتفظ بكيانها سليما في إيران طوال القرون الستة التى تلت الفتح العربى لهذه البلاد، فإن هذه الغارة كانت مجلبة لبعض عناصر الخير برغم ما عرف عنها من شدة و غلظة، و ربما كان من بعض فضائلها أنها كانت سببا في المزج بين الشعوب المختلفة المتباعدة، مما نتج عنه فيما بعد تجديد العقليات التى طال ركودها و خمولها.
[تأثيرها في أوربا]
و كان تأثيرها في أوربا واضحا، فقد كانت سببا هاما بل أهم الأسباب في حركة النهضة، فهى التى دفعت بالأتراك العثمانيين من مجاهل خراسان إلى أبواب القسطنطينية، فكانت بذلك السبب المباشر و الأخير في تحطيم الامبراطورية البيزنطية و ما نتج عن ذلك من انتشار اليونان و كنوزهم العلمية في مختلف البلاد الأوروبية. و قد استطاعت هذه الغارة أيضا أن تحطم الحدود و الحواجز بين مختلف الأقاليم و الممالك، فمكنت بذلك لبعض الرحالة من أمثال «ماركوپولو
» أن يجوبوا الأقطار النائية من آسيا و أن يحدثونا بالعجائب التى لم يكن من المستطاع الوصول إليها لشدة المحافظة عليها. و كما كانت سببا في البداية في خلق التطاحن بين الفرس و العرب من ناحية، و بين الصينيين و أهل «التبت» من ناحية أخرى، فإنها كانت كذلك سببا في إيجاد التوافق و التعاون بينهم، بمساواتها بين «الفقيه المسلم» و «القس المسيحى» و «اللاما البوذى» و «البخشى المغولى» و كل رئيس لدين آخر أو مذهب مخالف؛ و كانت هذه المساواة الدينية قد انعدم وجودها منذ خمسة قرون أو ستة خلت قبل هذه الغارة .. «2»
(1) أنظر كتاب «دوسون» جزء 3 ص 651 و جزء 4 ص 79.
(2) فى سنة 1272 م استعان «قبلاى خان» باثنين من المهندسين الإيرانيين في حصار «فان شبج» بالصين و كان أحدهما يدعى «علاء الدين» و الآخر يدعى «إسماعيل» [انظر كتاب دوسون جزء 2 ص 389] ؛ و عندما خرج «هولاگو خان» في حملته على بغداد في سنة 1252 م- 650 ه جلب معه ألفا من مهندسى الصين ليقيموا له المجانيق و آلات الحصار [أنظر نفس المرجع جزء 3 ص 135] و قد استعان المنجم الفارسى المشهور و الفيلسوف-