فهرس الكتاب
وفي فترات الضعف والتردي، إذا تهيأ للناس واجهة علّقوا عليها كل شيء، وبدلًا من توزيع الأدوار والمسؤوليات والتبعات، يستسهل العامة الإلقاء بالأمر على"أقرب مذكور"؛ ولهذا تجد الكثيرين يسرقون أنفسهم من الأضواء، ويختفون من الساحة في صمت؛ لأنه لا قبل لهم بهذه الأعباء الثقال، التي تولدت عن إلباسهم جُبَّة اسمها"الدعوة"، واعتبارهم ناطقين باسمها، ومعبرين عنها.
إن الله تعالى يقول: (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) [الطور:21] ، ويقول سبحانه: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) [المدثر:38] ، ويقول جل جلاله: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا) [النحل:111] ، ويقول عز من قائل: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) [الإسراء:13] ، فمن أيِّ نص أخذ بعض أهل الزمان أن من كان شيئًا يجب أن يكون كل شيء؛ ليلقوا المسؤولية عن أعناقهم وكواهلهم، ويبرئوا ساحاتهم؟
إن الفرق بينك وبين فلان، هو أنه قام بواجب ما قمت به أنت، فجزاه الله خيرًا وبارك في علمه، وأصل التكليف بينكما واحد، ولا يبعد أن لديك من الذكاء الفطري، أو قوة الحفظ، أو سعة العقل، أو شمولية الشخصية ما ليس عند غيرك، فلماذا تنسى نفسك، وتدفن مواهبك، ثم تعاتب من تحامل على نفسه، وعمل بما يستطيع، وقصر هنا أو غفل هناك؟
كاتب المقال: د ـ سلمان بن فهد العودة
المصدر: موقع الإسلام اليوم
نجاح داعية
الذي يقرأ في تاريخ الدعوات, و أسباب نجاحها أو فشلها يجد أن من أهم أسباب النجاح الذي تحرزه دعوة ما أحد أمرين:
1 -الحق الذي تحمله هذه الدعوة , فبقدر ما فيها من الحق تكون ملائمة للفطرة, قريبة إلى العقل، و سرعان ما تتقبلها النفوس وتسكن إليها .
ولذلك لما سمع الجن كلام الله تعالى يقرؤه رسوله المصطفى - صلى الله عليه وسلم- رجعوا إلى قومهم يقولون: (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا*يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ) [الجن:1-2] .
بل تحولوا مباشرة إلى"منذرين"تتحرك في نفوسهم دوافع الإنذار و البيان والدعوة: (وَإِذ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ* قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ* يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَءَامِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [الأحقاف:29-31] .
وقد يتوفر لبعض أمم الكفر قدر من العدل وحفظ مقامات الحقوق البشرية مما هو في الأصل من مقاصد الشريعة؛ فيجعل الله لهم من التمكين والبقاء والنفوذ بقدر ذلك، كما هو معروف في حقب التاريخ ومشاهد من واقع الحياة.
2 -و العامل الثاني من عوامل النجاح: ثقة الداعية بدعوته , وإيمانه الراسخ المطلق بأنها الحق الذي لا ريب فيه .. فهنا يتحول إلى قدوة في قوله وفعله، يتحول إلى"إمام": (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة:24] .
و لا يملك قارئ هذه الآية الكريمة إلا أن يقف عند هذه الكلمات الأربع: (أئمة, يهدون, صبروا, يوقنون) .
فلكي نكون دعاة صادقين و أئمة هادين مهديين, لا بد من الصبر على الدين, فلا تزحزحنا عنه أو عن بعض عقائده أو أحكامه استخفافات الذين لا يوقنون، و لا بد من اليقين المطلق الذي لا يقبل المراجعة أو الشك بأنه الحق.
ونحن هنا لا نتحدث عن الآراء الاجتهادية ولا عن وجهات النظر الشخصية، التي قد يتحول الإيمان المطلق بها إلى نوع من التعصب والهوى والإصرار وبطر الحق وغمط الناس, لكننا نتحدث عن"الدين المنزل".
قال الله تعالى: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) [إبراهيم:13] .
وقال جل وعلا: (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ*قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) [الأعراف:88-89] .
و كما يظهر اليقين في أقوالنا, فلا نداور ولا نداهن ولا نماري, و لا يعنينا ما يقوله عنا الآخرون, فنعطيهم إياها صريحة.. إن هذا الدين دين الله, لا يقبل سواه: (ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) ، و نعلنها لهم واضحة: (كفرنا بكم، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده) .
فكذلك يجب أن يظهر اليقين في أعمالنا وسلوكنا و أساليب حياتنا … من يحمل الدين الصحيح ويثق بما لديه لا يذهب ليأخذ ما يسقط من موائد الآخرين.
ليس صحيحًا أن تكون مجتمعاتنا و بيوتنا و مدارسنا وأسواقنا و شاشاتنا ميدانًا استهلاكيًا للمنافسة و السباق على بضاعتهم الكاسدة.