فهرس الكتاب
ولدت ( الزهراء أم خليل ) عام 1951م ، بمدينة الصويرة جنوب المغرب ، وهي أم لستة أولاد ، وقد ترعرعت في مدينة مليئة بالمغريات ( الدار البيضاء الكبرى ) العاصمة الاقتصادية للمغرب ، إلا أنها كرست حياتها وجل جهودها لحفظ وتحفيظ القرآن ..
وقد نشأت الزهراء أم خليل في بيت حافظ للقرآن ؛ حيث كان والدها حافظا ، وكذلك جدها لأبيها ، تقول أم خليل:
"حين كان عمري ست سنوات كان حبي للقرآن الكريم بشكل ملفت للانتباه، ولا يعلم مداه إلا الله، خصوصا حينما أسمع حفاظ القرآن يتلونه كلما استدعاهم والدي. ولم نكن حينها لنستفيد نحن البنات من الدراسة ؛ على اعتبار أنه من العيب أن تذهب الفتاة إلى المدرسة في عرف الصويريين في الخمسينات عكس الآن، لذلك تولد لدي اليأس من حفظ القرآن. وكنت أتمنى لو كنت ذكرا وأقول لجدتي: هل يمكنني أن أصبح رجلا إذا كبرت؟ وكلما أجابتني بالنفي أبكي بكاء شديدا. إن الفترة من 1956 إلى 1958 مرت كلها بكاء، وما زلت لحد الآن أستغرب لغزارة تلك الدموع التي كانت تنهمر من عيني بشكل كثيف".
عقبة اسمها ( اللهجة ) !!
عندما وصلت أم خليل سن العشر سنوات ، بدأ جدها في تحفيظها القرآن بتوصية من والدها ، ولكن وقفت اللهجة عائقا ؛ حيث كان جدها يحاول أن يدرسها باللغة"الأمازيغية"التي لا تفهمها آنذاك ، فكانت تحفظ آيات القرآن بالترديد فقط دون أن تستطيع فهم مضمونها .
لاحظ جدها قدرتها الهائلة والسريعة على الحفظ ، مع وجود هذا العائق ، فكان يقول لوالدها:"إن لهذه الفتاة شأنا عظيما". ومن حينها، تقول أم خليل: نصح والدي أمي بأن لا تكثر علي من الأشغال المنزلية كي أتمكن من حفظ الفرقان .
تعلَّمْت الحروف الهجائية من ابني ..
قالت الزهراء:"تزوجت سنة 1966 وسكنت بالدار البيضاء، واستمرت لدي حرقة حفظ القرآن الكريم، وكنت حريصة على أن يحفظ أولادي الستة كتاب الله العزيز، لذلك وجهتهم إلى الكتاب القرآني مما جعلني أحفظ الحروف الهجائية عن ابني المزداد سنة 1970."
وسخر الله لي ابنتي البكر التي كانت تنقل لي ما يلقنه لها أستاذ يحب الدين ويعمل على تحبيبه لتلاميذه"."
الرؤيا التي غيرت حياتها ..
تروي أم خليل عن حبها للرسول قائلة:"كان شوقي للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يزداد كلما رأيت شريطا من الأشرطة التاريخية للإسلام مثل شريط"الرسالة"وغيره، وكنت دائما أتمنى لو عشت زمن رسولنا الكريم لأراه. وكان من فضائل هذا الحب لخير خلق الله أن يكتب لي الله رؤيته في المنام، فقد رأيته ذات يوم وهو لابس لباسا أبيضا وجالس على سجاد أخضر وعيناه شاخصتان إلى السماء ويداه مرفوعتان للدعاء، ناديته: يا حبيبي يا رسول الله، اطلب الله أن يهديني للحفاظ على الصلاة، قال لي: أغمضي عينيك، وبعدها أفقت باكية".
وأضافت: منذ ذلك الوقت تغير سلوكي مع الناس وأول ما قمت به رد مظالم الناس لأهلها، وأصبحت أمتنع عن حضور الحفلات التي تكون فيها المنكرات، كما امتنعت عن مشاهدة الأفلام. وأبدلت رؤية تلك الأفلام بالاجتماع مع أبنائي على مدارسة كتاب"الإسراء والمعراج"ونبكي لما يتضمنه، رغم ما فيه من إسرائيليات!
من نقش الجدران .. إلى نقش القلوب بالإيمان ..
لأم خليل حكاية طريفة مع المسجد تقول بشأنها:"في يوم من الأيام قال لي ابني: ليتك أمي ذهبت للصلاة في مسجد حينا، إن زخرفته جميلة"، فكان همي أن أطلع على نقش الجدران، لكن الله سبحانه وتعالى كان يمهد لي لأطلع على نقش القلوب بالإيمان. وعند أول دخول لي للمسجد وجدت شابات في مقتبل العمر وأخذت أقلدهن في ما يقمن به دون أن أكلمهن؛ لأنني كنت أحس وكأنني غريبة عنهن، لكن هذه الغربة لم تطل مدتها لأتعرف على نخبة من المؤمنات يفقهنني في ديني ونتعاون على الخير.
العزيمة الصادقة ..
يقول الدكتور عبد الكريم بكار:"معظم الإنجازات الكبرى مَدِينة للعزيمة والإصرار ، و لا يغني عنهما علم ولا موهبة"، وهكذا كانت أم خليل ، ففي سنة 1981 عزمت على حفظ القرآن كاملا .
تقول أم خليل: في البداية كنت أحفظ آية في كل يوم فأتممت بحمد الله سورة البقرة في ظرف ستة أشهر، وبعدها حفظت سورة آل عمران. قلت مع نفسي: لماذا لا تحفظ معي أخواتي المؤمنات، ومن ثم كانت أول مدرسة بدأت فيها تحفيظ القرآن هي بيتي، بمساعدة زوجي جزاه الله خيرا، وصل عدد الراغبات في الحفظ إلى 160 امرأة، كنا نحفظ ثمن حزب في اليوم لمدة أربعة أيام من الأسبوع ونخصص الثلاثة أيام الباقية لمراجعة ما تم حفظه، كما نراجع عن طريق الصلاة بما تم حفظه.
ما أسعدها من لحظات !!
أتمت أم خليل حفظ القرآن الكريم كاملا سنة 1985م ، ثم بدأت مباشرة تحفيظه لبنات جنسها ، وكانت تقيم حفلات لمن استطعن حفظ عدد من الأحزاب، ابتداء من عشرة أحزاب فما فوق، وفي سنة 1995 تمكنت (17) امرأة من حفظ القرآن كاملا، والباقيات لهن حظوظ لا بأس بها من آيات الذكر الحكيم.
وأكثر ما يشد الانتباه أن أغلب الحافظات كن أميات ، وتغلبن على أمية القراءة وأمية الحفظ .
ثم تتالت أعداد الحافظات .. ففي سنة 2001 حفظت مجموعة أخرى من النساء، يفوق عددهن (المائة) القرآن الكريم، وأقامت"أم خليل"حفلا بالمناسبة حضرته 800 امرأة، أُلقيت فيه كلمات تذكر بمكانة القرآن في حياة الإنسان وفضل حفظه، بالإضافة إلى دوره في صيانة المرأة من الانحراف عن جادة الصواب.
وكان من نتائج ذلك الحفل أن قامت الحاضرات بدور التحفيز للرجال من أولادهن وأزواجهن؛ حتى إن من الرجال من أقبل على الحفظ بعد ما بلغه صدى ذلك الحفل المخصص للنساء واستطاع بعضهم حفظ القرآن كاملا حسب ما أكدت أم خليل.