فهرس الكتاب
هوايتها المفضلة وهي القراءة بدأت تداعب أحلامها ، مكتبة ضخمة كانت أمام ناظريها في بيت أهل زوجها ، ولكن الكتب كانت كلها باللغة العربية ، كانت تستجدي زوجها أن يقرأ لها ولكنه كان مشغولًا بتجارته ، فلم تملك إزاء ذلك إلا الصمت وكتم الألم الذي كان يعاودها بين الحين والآخر كلما وجدت صعوبات تقف لطموحاتها بالمرصاد.
آمال لتعلم اللغة العربية:
بعد فترة من الزمن تهادى إلى سمعها افتتاح ما يسمى بـ"مدارس محو الأمية"، تجدد الأمل لديها بتجاوز جهلها باللغة العربية ، وعاد النشاط لطموحاتها التي كثيرًا ما تنساها أمام مشاغل الحياة وتربية الأطفال ، فاتحت زوجها بموضوع دراستها ، تم رفض طلبها تمامًا ؛ لبعد المدرسة عن محل إقامتها وهذا هو أكبر عائق ، استسلمت للأمر ، واقترب موعد التحاق ابنها البكر بالمدرسة ، كانت استعداداتها لالتحاقه بالمدرسة كبيرة ، وآمالها التي علقتها بدراسته أكبر ، ذهب إلى مدرسته ، وأحضر الكتب المدرسية ، وجلست بجانبه من أول درس تلقاه ، كانت تسأله عن كل شيء ، وتحفظ ما يقوله عن ظهر قلب ، مرَّت السنة الأولى بسلام ، ونجحت مع ابنها في تعلم كل دروسه المدرسية ، مرَّ العام تلو الآخر ، وحصيلتها اللغوية تزداد يومًا بعد يوم ، تسير جنبًا إلى جنب مع ابنها البكر ، وتبدأ مرَّة أخرى مع الابن الذي يليه ، معرفتها بالقراءة شهدت انطلاقًا كاملًا بعد سنوات ، وابنها يساعدها في تخطي كل شيء يستصعب فهمه عليها .
توبة وندم:
نفضت الغبار عن كثير من الكتب المرصوصة في أرفف تلك المكتبة الكبيرة ، وبدأت تقرأ الكتاب بعد الآخر ، وتسأل أبناءها عن الأشياء التي لا تفهمها ، وجدت كتب السير والتاريخ وغيرها من أنواع المعرفة ، لم تكن الصلة بالله كما ينبغي ، وكانت تطلع على كتب الدين من باب المعرفة والثقافة ، وتؤدي واجباتها الدينية بشكل روتيني سريع يخلو من الخشوع والارتباط بالله تعالى ، ويعتريه كثير من القصور ، وفي ذلك اليوم وبعد أداء واجباتها المنزلية ، وبعد أن نام أطفالها ذهبت إلى فراشها وهي تؤمل نفسها بنوم عميق تنفض خلاله متاعب يوم كامل من العمل الشاق ، نامت قليلًا ومن ثم داهمها قلق لا تعلم مصدره ، استيقظت من نومها ، وتأملت حالها وظروفها ، واختلط في هذه اللحظات حاضرها الذي تعيشه مع ذكرياتها في أندونيسيا ، شيء ما يلح عليها بقلق رهيب ، بكت بمرارة وتذكرت بعدها عن الله عز وجل ، تذكرت جهادها الدنيوي في سبيل العلم وتربية الأولاد ، وتذكرت تفريطها في جنب الله تعالى ، فكرت في مصيرها المحتوم وإن طال مقامها في الحياة الدنيا ، ندمت على التفريط في الفروض الدينية الرئيسة والتقصير تجاه رب العالمين ، عاهدت نفسها في تلك الليلة على تعويض ما فات ، والالتزام بأوامر الله تعالى ، والتقرب منه ، وتعلم الدين لعبادته عز وجل كما ينبغي .
مع كتاب الله:
استمرت هوايتها في القراءة ، ولكن تركيزها أصبح كبيرًا على الكتب الدينية ، واهتمت بقصص الأنبياء عليهم السلام ، وقرأت سير الصحابة رضوان الله عليهم ، واهتمت بسماع الأشرطة الدينية ، وتابعت الخطب والمواعظ ، وكان اهتمامها الأكبر هو تعلم القرآن الكريم ، كانت تستمع له كثيرًا عبر الإذاعة وآلة التسجيل ، وملأ قلبها الشوق لتعلمه وقراءته ، وكما طلبت من زوجها بالأمس الدراسة في مدارس محو الأمية ، طلبت هذه المرة الالتحاق بدور تحفيظ القرآن الكريم ، رُفض طلبها للمرَّة الثانية ، وطلب منها تعلم القرآن في البيت كما تعلمت القراءة والكتابة ، وأن تعتمد على نفسها في ذلك ، ووعدها هذه المرَّة أن يساعدها قدر المستطاع ، وأن يصوب أخطائها كلما سنحت له الفرصة بذلك ، بدأت مع كتاب الله بدايتها الفعلية ، وكانت ترفع صوتها بالقراءة ليصوب لها مَنْ يسمع قراءتها ، استمرت فترة طويلة على هذا الأسلوب ، وبعدها انتقلت للإقامة في بيت آخر بجانبه مسجد يقيم حلقة تحفيظ للنساء ، طلبت من زوجها من أن تذهب ، لم يمانع هذه المرة لقرب المسجد ؛ ولأن أولادها قد كبروا بعض الشيء ويستطيعون الاستغناء عن رعايتها هذه الساعة ، حفظت في الحلقة جزء عم ، وسورة تبارك ، ومقاطع من سور أخرى ، واشتركت في مسابقات قرآن لبعض السور ، إما حفظًا أو تفسير ، وحرصت على حضور الدروس والمحاضرات ، تعلمت خلالها طريقة الإلقاء ، وأساليب جذب الحضور ، وكانت تُعد الأسئلة لتسأل الداعيات عمَّا يصعب عليها فهمه .
انقطعت الدروس في المسجد المجاور لبيتها ، ولم تنقطع رغبتها في الاستزادة والتحصيل ، عَرَفََتْ الأساسيات في طلب العلم ، وقررت الاستمرار في ذلك من بيتها وبمساعدة ابنها ، قرأت القرآن الكريم وكتب الدين في الليل والنهار وكل أوقات الفراغ التي تتوفر لديها .
بداية الطريق:
كانت ذاكرتها تستحضر دائمًا قول الرسول صلى الله عليه وسلم"بلغوا عني ولو آية"، وكانت تتوق نفسها لتبليغ بنات جنسها خاصة من الأندونيسيات اللاتي تكون أصولهن عربية ، وجدت الدعم والتشجيع من زوجها ، وكانت في مجالس النساء تضيق ذرعًا بالأحاديث التقليدية حول الطهي وأنواع اللباس ، كانت تلقي عليهن بعض المواعظ البسيطة التي لا تتجاوز الدقائق فتجد منهن كل إنصات وحماس ، ذكَّرتهن باليوم الآخر وبمعاني القرآن الكريم وكثير من أمور الدين التي يجهلنها ، وبدأت تنتظم في إلقائها من خلال اللقاء الأسبوعي بهؤلاء النسوة ، وجدت القبول من الجميع خاصة أنها تلقي بلغتها الأساسية وهي اللغة الأندونيسية بالإضافة إلى اللغة العربية أحيانًا .
مكتبة خاصة: