الصفحة 1091 من 3812

وقد عاشت زينب الغزالي للقرآن ومعه، بل إنها أنشأت مع القرآن علاقة صداقة خاصة، حتى وهبها الله تعالى تجليات من معانيه، ظهر هذا في كتابها"نظرات في كتاب الله".

وقد عرف عنها أنها ما كانت تنسى الاستشهاد الصحيح من القرآن والسنة، وإن كانت تنسى بعض الأسماء عندما كبرت سنها، غير أن آيات القرآن، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بقيت محفورة في قلبها قبل عقلها، فتستدعيها وقتما تشاء، وهذه من بركات القرآن عليها.

حين مرضت سألت الله تعالى إن كان ابتلاها بهذا لسلوكها طريق هدى شعراوي، فإنها تعاهد الله تعالى إن شفاها أن تقوم بتأسيس جمعية للأخوات المسلمات للدعوة إلى الله تعالى على الطريق الصحيح، وحين شفاها الله تعالى بدا لها ما كان خافيا عنها من اعوجاج طريقها مع هدى شعراوي، فكانت أسرع الناس إلى الوفاء بالوعد، وهي من أهم ما يجب أن يتحلى به الداعية.

سلاح العلم:

الحرص على التعلم من أهم ملامح شخصية زينب الغزالي الداعية، فالعلم هو من أهم مفاتيح الداعية، وقد أصرت منذ صغرها على الالتحاق بالتعليم بعد أن رفض أخوها الأكبر أن تتعلم، لما يعلم من جرأتها؛ خوفا عليها، بل حينما انتقلت مع أسرتها إلى القاهرة في حي"السيدة زينب"بعد حي"شبرا"ذهبت إلى مدرسة خاصة بالبنات، وطلبت مقابلة مدير المدرسة وكانت تلقب نفسها بنسيبة بنت كعب المازنية -وهي ما زالت حديثة السن-، فلما قابلت مدير المدرسة قصت عليه حكايتها، فأعجب بشخصيتها وشجاعتها، فالتحقت بالمدرسة،وبجوار تعلمها في المدرسة تلقت علوم الدين على عدد من شيوخ الأزهر، وقد كانت زينب الغزالي شغوفة بالعلم، فكانت تكتب وتقرأ ما يقرب من عشر إلى اثنتي عشرة ساعة يوميا، مما أتاح لها أن تكون على دراية بقضايا العالم الإسلامي، وكان لهذا التعليم الشرعي مع ممارسة الدعوة أثر في أن تكون زينب الغزالي من النساء القلائل اللاتي منَّ الله تعالى عليهن بتفسير القرآن الكريم.

انضمامها لهدى شعراوي:

بعد حصولها على الثانوية طالعت في إحدى الصحف أن الاتحاد النسائي الذي ترأسه هدى شعراوي ينظم بعثة إلى فرنسا تتكون من ثلاث طالبات، تمنت زينب أن تكون ضمن هذه البعثة، وتوجهت من فورها إلى مقر الاتحاد والتقت هدى شعراوي التي تعاطفت معها ورثت لحالها وموقف أخيها المتزمت معها، وعلى الفور سجلتها في جمعيتها، وأظهرت ترحيبها بها وسعادتها بصيدها الثمين.. فزينب خطيبة مفوهة تلقت الخطابة والإلقاء عن والدها رحمه الله.. وراحت تقدمها لرواد الجمعية وتطلب منها أن تخطب فيهن.. وكانت ترى فيها خليفتها للاتحاد النسائي.. وسرعان ما وجدت زينب اسمها على رأس البعثة التي تمنتها.. لكن الله أراد لها غير ذلك.

بعد شهر من إعلان البعثة تحدد موعد سفر أعضائها.. كانت الأحلام السعيدة تداعب قلب زينب وعقلها المتدفق حيوية وأملا.. ومن بين تلك الأحلام كان الحلم الأكثر تميزا وتأثيرا.. يوم رأت والدها في منامها يطلب منها عدم السفر إلى فرنسا ويقول لها: إن الله سيعوضك في مصر خيرا مما ستجنينه من البعثة.. فقالت له: كيف؟ قال: سترين.. ولكن لا تسافري لأنني لست راضيا عن سفرك.. وكأن روح الوالد الحنون تتسلل من عالمها الغيبي لتحنو على القلب الصغير الغرير.. تنير له الدرب.. وتجنبه عثرات الطريق.. فبعض الآباء يواصلون رعايتهم لأبنائهم حتى بعد وفاتهم.. ويرسلون نصائحهم وتوصياتهم من قبورهم البعيدة.

فقدمت اعتذارا، مع أنها كانت تبذل جهدا كبيرا حتى تسافر، فتركت أمل الفتاة التي تتشوف للسفر إلى أوربا وبهرجتها، والتزمت ما رأته خيرا، وإن كان عجيبا أن تترك الفتاة زينب الغزالي السفر إلى أوربا، وهو حلم يراود ملايين الفتيات، فإن الأعجب أن هذا حدث لها، وهي ما زالت مع الاتحاد النسائي صاحب الحركة التحررية، وهذا يعني أنها كانت صاحبة عقل وخير، فهي لا تستسلم لانتمائها استسلاما مطلقا، بل تقبل وترفض، وهذه الصفة أحسبها من أهم ما يحتاج إليه دعاة اليوم.

.. وحل الذهول بهدى شعراوي التي كانت زينب أملا من آمالها.. وتعدها لتكون إحدى العضوات البارزات في الاتحاد النسائي.. و عندما قصت عليها زينب الرؤيا التي رأت.. قالت لها: إن من الأحلام ما يتحقق ومنها ما لا يتحقق.. لا تضيعي الفرصة من يدك يا زينب.. واحتضنتها وهي تبكي.. لكن زينب أصرت على موقفها الجديد و قالت: ما دام والدي قد أمرني فلن أخالف أمره.

مع علماء الأزهر:

خاضت زينب الغزالي حروبًا كثيرة ضد الأزهر الذي كان يكافح الاتحاد النسائي ويخشى من قناعات زينب بهدى شعراوي ومشروعها من منطلق إسلامي، وهو ما يمثِّل فخًا لكثير من الفتيات، فكان الأزهر الشريف أوَّل مؤسسة تنبَّهت لهذا الأمر ووقعت في تصادم حاد وعنيف مع الاتحاد النسائي، وأقام نتيجة لذلك العديد من اللقاءات والمنتديات الثقافية في بعض الكليات والمعاهد الأزهرية، ودعا فيها الاتحاد النسائي للمناظرة، فكان أن انتدبت هدى شعراوي ثلاث فتيات لتمثيل الاتحاد في هذه المنتديات من ضمنهن: زينب الغزالي.

وفي أحد هذه اللقاءات تحدَّث بعض شيوخ الأزهر عن دعوة هدى شعراوي، وراحوا يؤكدون أنَّها تريد الخروج بالمرأة المسلمة من محيط التعاليم الشرعية، فوقفت لهم زينب بالمرصاد مدافعة ومؤكدة أنَّ هدى شعراوي تريد الارتقاء بالمرأة المسلمة، وتنمية عقلها وفهمها، ورؤاها، والسعي من أجل الحصول على حقوقها.. إلى آخر هذه الشعارات الرنَّانة الزائفة، التي كانت تؤديها بكلّ صدق وإخلاص وانبهار حقيقي من وجهة نظرها آنذاك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت