الصفحة 1092 من 3812

وقد حدث ذات يوم أنَّها تصدَّت لعشرة من مشايخ الأزهر، فهاجمتهم وانتصرت لأفكار هدى شعراوي، فما كان منهم إلا أن طلبوا من الشيخ عبد ربه مفتاح رئيس قسم الوعظ والإرشاد بالأزهر منعها عن الوعظ، لكنّ الرجل كان ذا عقل راجح وعلم غزير، فقال لهم: لقد واجَهَتْ عشرة من علماء الأزهر ولم يستطيعوا إقناعها، ونحن إذا أوقفناها عن الوعظ أنبأ هذا عن فساد رأينا وصدق ما تدّعيه، لذلك أرى مواجهتها؛ فقال أحد العلماء واسمه الشيخ محمّد النجّار: أنا لها..

وحينما ذهبت في اليوم التالي بصحبة رفيقتيها وجلسن، جاء الشيخ وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والسلام عليكم أيتها الفتاة التي تناقش علماء الأزهر وتدافع عن السيدة الفاضلة هدى شعراوي وجمعيتها وأغراضها.

فوقفت زينب الغزالي وقالت له: بداية أنا زينب الغزالي الجبيلي، فعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ثمَّ بدأت تحاضر في الفتيات، فشدَّت انتباه الشيخ، فقال لها بعد فراغها من المحاضرة حين همَّت النساء بالخروج: هل تسمحين يا ابنتي أن أحدِّثك دقائق في مجال الدعوة الإسلامية؟

فقالت له: سمعًا وطاعة.. تفضَّل. جلس الشيخ ثمَّ رفع يديه إلى السماء، ودعا الله عزّ وجل قائلًا: اللهم إنِّي أسألك بأسمائك الحسنى، وبكتابك الذي أنزلت وبسنّة نبيِّك الذي أرسلت، أن تجعلها للإسلام، إنَّك على كلّ شئ قدير، أسألك بالقرآن أن تجعلها للإسلام، وصلِّ اللهم على سيدنا محمّد.

ثمَّ دمعت عيناه فتأثرت زينب بهذا الموقف ودمعت هي الأخرى وحاولت إخفاء دموعها عن الشيخ ثمَّ سألته: لماذا تعتقد أنَّني لست مع الله، وأنا أصلّي وأصوم وأقرأ القرآن وسأحجّ بيت الله حين تيسّر أموري بمشيئته، كما أتمني أن أستشهد في سبيل الله. فقال الشيخ النجَّار: أحسبك كذلك، واستمرّ في دعائه ثمَّ قال لها: هل تعودين إلى هدى شعراوي بعد خروجك من هنا أم ستبقين مع الله ورسوله؟ فقالت: وأنا مع هدى شعراوي أعتبر نفسي مع الله ورسوله. فقال لها: هل تعاهديني على نصرة الحق؟ فعاهدته، واستمرّت علاقتها بالشيخ النجَّار الذي أوضح لها أمورًا كثيرة في الدين كانت تجهلها، وكان لها رأي مخالف فيها قبل معرفتها بالشيخ، وتفتَّحت عيونها على قضايا كثيرة لم تكن تعلمها من قبل.

ظلت زينب تعمل كعضو بارز في الاتحاد رغم اعتراض بعض العضوات على خطابها الذي لا يخلو من نبرة إسلامية يرونها بعقولهن المضللة رمزا للرجعية والتخلف.. وظلت زينب تردد شعارات هدى شعراوي وتتبنى مشروعها لتنمية المرأة وإعدادها للنهوض بدورها الثقافي والاجتماعي.. ولعل للقهر والظلم الاجتماعي الذي تعرضت له زينب دورا كبيرا في تمردها على العادات البالية والمفاهيم الصدئة التي تتستر بعباءة الإسلام وهو منها براء.. فكانت زينب تتبنى مشروع هدى شعراوي من منطلق إسلامي وهو ما يمثل فخا لكثير من الفتيات.. حيث تغريهن شعارات التحرر البراقة التي تدغدغ طموحهن المكبوت زيفا باسم الدين.. بل إن زينب خاضت حربا فكرية ضروسا ضد الأزهر الذي تنبه لخطورة السم المدسوس في العسل.. وظلت تدافع عن القناعات التي كانت وقتها تؤمن بها بصدق وانبهار حقيقي... وأقام الأزهر العديد من اللقاءات والمنتديات الثقافية لدحض الحجة بالحجة وإبطال زيف المؤامرة الغربية على المرأة المسلمة..

بعد موقف زينب المؤثر مع علماء الأزهر وخاصة مع الشيخ محمد النجار كتبت خطابًا لهدى شعراوي، أعلنت فيه استقالتها من الاتحاد النسائي، ثمَّ تخلَّت عن جميع ملابسها الموجودة، وطلبت من أخيها جلبابًا فضفاضًا، وخمارًا وضعته على رأسها بدلًا من القبعة.

تحوَّلت زينب هذا التحوُّل الكبير وغيَّرت أفكارها واتجهت بها إلى نصرة الدين الإسلامي والالتزام بالحجاب الإسلامي.

تلقَّى علماء الأزهر ـ خصوصًا الشيخ النجَّار ـ نبأ تحوُّلها بالبشر والفرح، ثمَّ توالت أنشطة زينب الغزالي من يومها، وقد بدأتها عام 1936م حين أسّست"جمعية السيدات المسلمات"تدعو إلى الله على بصيرة، وكانت محضنًا خصبًا ترعرعت فيه الكثيرات من الكوادر النسائية الإسلامية اللائي عملن للدعوة منذ نعومة أظفارهن دون مرورهن بالدهاليز التي سلكتها المربية الفاضلة زينب الغزالي بحثًا عن كوّة النور، التي هديت إليها بعد معاناة وإخلاص وجدّ في البحث، ثمَّ أهدت عصارة تجاربها للقادمات من بعدها، تحذِّرهن من الانخداع بمعسول الكلام وبريق الشعارات التي خاضت فيها يومًا وقد أنجاها الله بعد ما كادت تهلك!

كانت زينب الغزالي علامة بارزة من علامات فضح هذه الدعاوى الباطلة، وكانت بذرة صالحة وُلدت مع دعوة خبيثة رضعت لبانها فلم تستسغه وانقلبت عليه سالكة طريق الحقّ تكافح هذه الدعوة وتلاحقها، حتى شحب عودها واصفرّ لونها.

تحوَّلت زينب حينما ذاقت حلاوة الإيمان، بعد ما جرَّبت علقم الشعارات الرنَّانة، وبعد ما تأكدت من سعة الإسلام الصالح لكلّ زمان ومكان، وتأكَّدت من ضيق هذه الأباطيل وعجزها عن استيعاب الذين ما زالوا يروِّجون لها، ويدافعون عنها، وينفخون فيها لإحيائها، بعد ما انكشفت حقيقتها، وخبت نارها، ووهنت وشاخت أمام شرعة الإسلام المتدفقة بالحيوية والصلاحية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

زينب.. في ثوبها الجديد..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت