فهرس الكتاب
أوفت زينب بعهدها لربها.. وبدأت انطلاقتها الجديدة بخمار يتوج رأسها.. وإيمان يغمر قلبها.. واستقالت من الاتحاد النسائي.. نفذت زينب كما ينفذ الضوء عبر الثقوب الصدئة.. عابرا بطهره غياهب الظلام وضباب الشبهات إلى نور اليقين وصبح الحقيقة.. وحاولت هدى شعراوي أن تؤثر في قرار زينب، وقالت وهي تبكي: يا زينب كنت أريدك خليفتي من بعدي.. فقالت زينب: لقد اخترت واختار الله فأنا مع اختيار الله وسأظل ابنتك الوفية وسأذكر فضلك ومكارمك..
وبالفعل لم تنقطع الصلة على المستوى الإنساني بين هدى وزينب، ولم تشك زينب في إيمان هدى شعراوي على الرغم من علمانية حركتها وموقفها من الحجاب، وظلت تذكرها بالخير وتقول إنها كانت تبر الفقراء وتساهم في أعمال الخير وتحج بيت الله.. وربما لا يعلم الكثيرون أن هدى عندما اشتد عليها المرض طلبت رؤية زينب فذهبت إليها ووافتها المنية وهي بجانبها وشاركت زينب في جنازتها.
وهكذا مثلت زينب إجابة مبكرة لدعوات تحرير المرأة برؤية إسلامية.. وردا مفحما على كل التيارات التي حاولت ربط تخلف المرأة بالإسلام.. بل أثبتت الدور الدعوى للمرأة المسلمة وأن دورها الرسالي لم يتراجع.. فقد أسست جمعية السيدات المسلمات في عام 1937م.. وحصلت على التصريح من وزارة الأوقاف ولم يتجاوز عمرها الثمانية عشرة ربيعا.. وكان معها موافقة على إنشاء خمسة عشر مسجدا خرجت في وقت قصير الواعظات.. وأقامت الكثير من المساجد الأهلية.. وكانت تعقد 119 اجتماعا في السنة. وأصدرت مجلة لقيت ترحيبا واسعا... وخلال عقدين من الزمان جذبت خلقا كثيرا منها بعض قيادات الثورة.
الإخلاص في الدعوة:
وقد أدركت زينب الغزالي منذ وقت مبكر دور المرأة كداعية في المجتمع، فلم تكتف بقيامها هي بالدعوة، بل قامت بتدريب عدد كبير من الأخوات من خلال معهد تابع لجمعيتها، كان يخرج المرأة داعية إلى الله بعد ستة أشهر، حتى أصبحن داعيات على درجة عالية من الدعوة، وظل بيتها مفتوحا للدعاة من الرجال والنساء حتى أواخر أيامها.
وامتد نشاط الجمعية في محافظات عدة من مصر، وشملت الرعاية الاجتماعية من رعاية الأيتام، وحل المشكلات الزوجية والصلح بين المتخاصمين، ومشغل للفتيات، ورعاية المرضى، بل كان لها أثر في تعبئة الرأي العام ضد الفساد المنتشر في مصر آنذاك، حتى إنها كانت مصدر قلق كبير للحكومات، حاولوا معها استمالتها بأن تكون ضمن نظام الحكم، غير أنها لم ترض أن تبيع دينها لأجل دنيا فانية مع حفنة طاغية.
ولم يقف نشاطها الاجتماعي ؛ لإيمانها أن العمل الاجتماعي من أهم أعمال الدعوة، بل زاد أكثر، فحين اعتقال الآلاف ، قامت زينب الغزالي في فريق نسائي من قسم الأخوات المسلمات لمساعدة أسر المعتقلين، فقد كانت تجمع التبرعات من الذين لم يعتقلوا، وتشتري بها بعض الحاجات الأساسية للأسر، وترشد السيدات معها إلى بيوت المعتقلين، لينتفعوا بالمعونات المادية، بالإضافة إلى محاولة تثبيتهن من جراء الظلم الواقع على الأزواج بلا ذنب مقترف، فتجمع بين الدعم المادي والدعم المعنوي لهن، وقد كانت تقوم بهذا في وقت عصيب ،غير أنها وهي التي ذاقت مرارة التعذيب ما كانت تخاف إلا الله.
نشر الدعوة:
بعدها توجهت زينب الغزالي إلى عدد من الدول العربية والإسلامية في رحلات دعوية، وكان لها إسهامات بارزة في الصحافة الإسلامية، كما زارت الجبهة الأفغانية أثناء الجهاد ضد الاحتلال السوفيتي في الثمانينيات أكثر من مرة.
وقد جمعت الداعية زينب الغزالي وسائل عديدة للدعوة، فقد كانت تعطي الدروس في المساجد، والمحاضرات في المراكز والهيئات والجمعيات، كما كان لها بعض الحلقات الإذاعية والتلفزيونية، وتكتب في الصحف والجرائد والمجلات، كما كان لها بعض المؤلفات، أهمها:"أيام من حياتي"،"نحو بعث جديد"،"مشكلات الشباب والفتيات"،"إلى ابنتي"، وتحت الطبع"أسماء الله الحسنى"وغيرها.
كما كان هاتفها لا ينقطع عن الاتصال ردا على سؤال، أو أخذا للنصيحة، أو حلا لمشكلة، ضاربا المثل في بذل الجهد والوقت في سبيل الله.
لقد كانت زينب الغزالي مثلا للداعية، فلم تحصر الدعوة في شكلها التقليدي، بل قدمت الدعوة بمجالاتها المتعددة، الدعوة الخاصة، والدعوة العامة، الدعوة في المجال الاجتماعي، والدعوة في المجال السياسي، والدعوة في المجال العلمي والثقافي، الدعوة في الرخاء والشدة، دعوة الرجال والنساء، الدعوة تصحيحا وتجديدا، لتكون زينب الغزالي مضرب المثل للداعية التي عاشت لدعوتها بروح عصرها، في واقع الناس، فكانت داعية الفكر والعمل.
وقد زارت المملكة العربية السعودية 60 مرة، وأدت فريضة الحج 39 مرة، واعتمرت 100 مرة.
و زارت الكثير من الدول العربية والإسلامية لنشر الدعوة الإسلامية وإلقاء المحاضرات الدينية، وأوضحت الكثير من المفاهيم حول فقه الدعوة إلى الله.. وأمضت في حقل الدعوة 53 -أكثر من نصف قرن-
التقت خلالها بأبرز رجال الدعوة الإسلامية في ذلك الوقت.
وفاتها: