فهرس الكتاب
وقد بقيت زينب الغزالي شامخة طوال عمرها الممدود بالطاعة والدعوة، حفظت جوارحها في الصغر، فحفظها الله تعالى في الكبر، وأراد الطغاة لها الموت، ولكن الله تعالى أماتهم ووهبها الحياة بعدهم، فبقيت زينب الغزالي أحد أركان العمل الإسلامي النسائي في الوطن العربي حتى توفيت مساء الأربعاء 3/8/2005م، في القاهرة عن عمر يناهز 88 عاما بعد أن أمضت نحو 53 عاما في حقل الدعوة الإسلامية عبر أنحاء عديدة من العالم الإسلامي. فرحم الله زينب الغزالي وأسكنها فسيح جناته, وجعل دعوتها وتربيتها لأجيال الدعاة في موازينها كأمثال الجبال يوم يكون المرء أحوج ما يكون لعمل صالح.
جميلة الصينية..من ظلام الكنائس إلى نور المساجد
في الفلبين:
هناك ومن مسافات بعيدة..من خلف سور الصين الشهير..نزحت تلك الأسرة النصرانية من الصين إلى الفلبين طلبًا للتجارة.. وللبحث عن حياة أفضل..أسرة صينية بسيطة في عددها وفي ظروفها..وبعيدًا عن أرض الوطن الأصلي ولدت اليزابيث..لم تر بلدها الأم..حصلت على الجنسية الفلبينية..عاشت طفولتها هناك..وترعرعت في ثنايا بيت يدين بالنصرانية..فتحت عينيها على الكنيسة..واستشعرت حب أهلها لهذا المكان وكثرة ارتيادهم له..تذهب معهم يومي الأحد والخميس من كل أسبوع..لم تكن تهتم بذلك..ولكن اهتمامها كان لذلك النعاس الذي يغالبها حالمًا يبدأ رجل الكنيسة في كلمته..غلبها النوم عدة مرَّات..لم تكن تستشعر خشوعًا يوازي حماس ذلك الرجل وهو يلقي بكلماته الرنانة..تخرج من الكنيسة فيعود إليها نشاطها..وتعود إلى سابق عهدها من الحيوية واليقظة..مرَّت سنوات..تفكيرها ينصب خلالها نحو العقيدة والدين..ديانتها قريبة من الإسلام..تؤمن بالله..وتتبع عيسى عليه السلام..وتعرف أن الله واحد أحد وفرد صمد لم يلد ولم يولد..وعيسى رسول الله وليس بابن لله- تعالى الله عما يصفون- ..لم تكن تؤمن بخزعبلات تلك الطوائف النصرانية التي تنسب عيسى لله تعالى - تعالى الله عن ادعاءاتهم - ..وكانت تستهجن تلك الأفكار.
الكريسماس:
عيد الكريسماس يوم مميز لكل النصارى..مميز لروحانيته لديهم..ولاستعداداتهم التي دأبوا عليها..كانت لهم طقوس معينة هي أقرب للعادات منها للعبادات..تفرح اليزابيث لتلك المناسبة شأنها شأن أي فتاة في مثل عمرها..أيام وتنسى ذلك اليوم وتعود حياتها إلى سابق عهدها.
رسائل من جزيرة العرب:
في أحد الأيام..وفي بداية مرحلة الشباب..تلقت رسالة من قريب لها..كان موظفًا في إحدى الشركات الأجنبية في مدينة الرياض..رسالته عجيبة..وأسلوبه غريب..يطلب ودها لرجل عربي يدين بالإسلام..استهجنت الطلب..وغضبت من قريبها..وتعجبت لهذا الرجل الذي يطلبها دون أن يراها أو حتى يسمع صوتها..رفضت بحدة..جاءها رد من خاطبها يتحدث فيه عن الإسلام وأخلاق الرجل المسلم..لم تجب..ولم تبدي رأيها فيما عُرض عليها..لا سلبًا ولا إيجابًا..غاب ذلك الحدث عن ذاكرتها لفترة..وبعد ثلاثة أشهر استحضرت مخيلتها موضوع تلك الرسائل..كتبت الرد باتزان..أبدت موافقتها على طلبه..اتفقا على كل شيء..إنها رسائل يغلب عليها الدعوة إلى اعتناق الإسلام.
من النصرانية إلى الإسلام:
بعد أشهر بدأت القناعة تتسرب إلى أعماقها..صارحته برغبتها باعتناق هذا الدين..فرح للخبر..شعر بأنه أسعد رجل في العالم..سألته كثيرًا..عن الإسلام..عن أهله..طريقة الدخول فيه..ما الذي يترتب على كونها امرأة مسلمة؟
شعرت بالقناعة..قررت اعتناق الدين الإسلامي..لم يعارضها أحد من أسرتها.. أشهرت إسلامها بالفعل..تبدلت حياتها..استبدلت الكنيسة بالمسجد..أمسكت بالمصحف بين يديها..قلبت صفحاته..لم تفقه منه شيئًا..أرسل لها كتبًا تبين لها مبادئ وتعاليم الإسلام..بدأت تتعلم..وجدت الإسلام قريبًا مما كانت عليه..لم تتبدل مشاعرها..لم يتغير شيء في داخلها..مضى ستة أشهر على إسلامها..ذهب إليها في الفلبين..تم زواجها من هذا العربي المسلم..وتغير اسمها من اليزابيث إلى جميلة..خلال أيام أنهت أوراقها وحضرت إلى الأراضي المقدسة برفقته..ثم استقرت في مدينة الرياض.
حياتها في مدينة الرياض:
أول مشكلة واجهتها كانت الفراغ..ساعات طوال تقضيها بين جنبات بيتها الصغير..جدران البيت الصماء كانت تزيد من وحشتها..زوجها في عمله من ساعات الصباح الأولى وحتى المساء..كانت تشعر بالغربة..لم تتعرف على أحد..بعدها عن الأهل يزيد من ألمها..استشعر زوجها تلك الآلام التي تحيط بها..لم يكن لديه من حل سوى أن يجلب لها الكتب لتقرأها..وأحيانًا يكون لديه بعض الوقت لشرح محتواها.
كانت تفكر بتلك النقلة الكبيرة..من اليزابيث إلى جميلة..من الفلبين إلى السعودية..من النصرانية إلى الإسلام..من الأهل إلى بيت الزوجية..ولكن شيء ما في أعماقها لم يتغير..كانت في دينها السابق تؤمن بالله تعالى وبعيسى عليه السلام..الآن تؤمن بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم..في الماضي ترددت على الكنيسة..الآن تدخل المسجد وتستجيب لصوت الآذان..تؤدي الصلوات بطريقة مغايرة أيضًا لما سبق..ومع ذلك فانتقالها كان شكليًا..مشاعرها وأحاسيسها لم تتقدم خطوة واحدة..كانت تدرك بأن شعاع الإيمان لم يتفجر في أعماقها بعد..هي مسلمة تقوم بفروضها وحسب..مستقرة في بيتها لخدمة زوجها وكفى..ولكنها تشعر بنقص وجداني عميق..لم تستطع أن تعبر عن هذا النقص..ولم تكن تعرف سبيلًا إلى إكماله.
جميلة ورحلتها مع الأحزان: