فهرس الكتاب
مرَّت الأيام طويلة كئيبة..تغالبها الهواجس ليلًا فتنخرط في نوبة من البكاء..زوجها يرثي لحالها كثيرًا..فكر في طريقة لإخراجها من أزمتها..إنهن زوجات زملاء العمل.. هنَّ الحل الأكيد لما تعانيه..وافقت فورًا على التعرف..مكالمة..زيارة..أصبح لها عدد من الصديقات..كعادة النساء يجلن العالم بأكمله في جلسة واحدة..أحاديثهن متنوعة..يتحدثن عن أوطانهن..أهاليهن..هواياتهن..طموحاتهن..اهتماماتهن..والقائمة تطول..لفتت إحداهن نظرها خلال موجة الأحاديث..كانت تتحدث عن صالة ترتادها يتكلم فيها أستاذ جامعي عن الإسلام..هذا الأستاذ يحمل الجنسية الكندية..ويلقي بعض المحاضرات في قاعة تابعة لمستشفى الملك عبدالعزيز..شعرت محدثتها باهتمامها بهذا الموضوع..استرسلت في الحديث..ودعتها لمرافقتها لحضور المحاضرة القادمة..أبدت جميلة موافقتها..أخبرت زوجها برغبتها في الذهاب مع الصديقة الجديدة..لم يمانع..بكت لتلك الموافقة..ولم تعرف سر بكائها..انتظرت ذلك اليوم بفارغ الصبر.
البداية الحقيقية:
ذهبت جميلة للمحاضرة برفقة صديقتها..ذهبت لطرد الملل والسأم عن نفسها..كانت تريد أن تفتح لنفسها قناة للترفيه والانطلاق..ركاكة اللغة العربية كان أكبر عائق لها في مجتمعها الجديد..لكن اليوم كان متميزًا..رفيقتها فلبينية..والأستاذ المحاضر سيلقي باللغة الإنجليزية التي تتقنها من الصغر..الدكتور بلال تيليكس..من جامايكا بكندا..مسلم يساهم في دعوة الجاليات المسلمة..تتدافع الكلمات من فمه بكل حماس..تحدث عن المسلمات وحقوقهن..وذكر كثير من تعاليم الدين التي كانت تجهلها..اغرورقت عيناها بالدموع..غالبها البكاء..شعرت بشيء ما يهز كيانها..أسلمت منذ أشهر..ولكنها لم تشعر مسبقًا بتغير داخلي..الآن فقط بدأت تشعر بهزات إيمانية تتغلغل إلى أعماقها.
عادت إلى بيتها إنسانة أخرى..أقبلت على الكتب الإسلامية بشكل أكبر..زوجها كان يساعدها على تعلم اللغة العربية..وما لم تتعلمه بالعربية كانت تتعلمه بالإنجليزية..بدأت بدراسة القرآن..كانت تذهب إلى مسجد قريب مع أهل زوجها لتعلم القرآن..اللغة العربية كانت العائق مجددًا..زوجها يكتب لها ما يصعب عليها بالإنجليزية ولكن بنطق عربي..استحسنت هذه الطريقة..وبدأت بتخطي العوائق،وكسر حواجز الصعوبات..كانت تفرح كثيرًا لحفظ كل آية من كتاب الله..شعرت بتقدم كبير خلال أشهر قليلة..حماسها لتعلم كتاب الله والعلم الشرعي فاق الحدود.
تابعت المحاضرات التي تُقام للجاليات في مستشفى الملك فيصل للداعية الهندية سستر نيس..صديقتها شعرت بحماسها للإسلام واستشعرت نهمها لطلب العلم..أشارت عليها أن تلتحق بدار تحفيظ..وافقت على الفور..وجدت مفردات العلم الشرعي التي كانت تبحث عنها..أقبلت على العلم..حرصت على حفظ ما تستطيع من كتاب الله..استمرت على حضور المحاضرات في أي مكان تستطيع الوصول إليه..الآن بدأت تدرك سر تغير كبير طرأ على عالمها..إنها حلاوة الإيمان..وطعم الانتماء الجميل للمجتمع المسلم..ذهبت عنها تلك الوحشة..وحلت مكانها السكينة..ذهب ذلك الحزن..وحل مكانة سعادة تستشعرها من خلال كل ما يحيط بها.
مجتمع جديد..وحياة جديدة:
اندمجت مع مجتمعها الجديد..انسجمت مع حياتها الجديدة..أصبحت مشاغلها أكثر من أن تستوعبها دقائق حياتها..ترددت على المسجد في شهر رمضان..انشغلت بالإعداد للأعياد الجديدة عليها كالفطر والأضحى..انسلخت تمامًا عن ماضيها ودينها السابق..وعاشت أيامها للإسلام..تحرص على النهل من ينابيع العلم..وتستغل وقتها من أجل ذلك.
طريق الدعوة إلى الله:
في أحد الأيام حضرت درسًا لإحدى الأخوات..كانت قد بدأت تعرف فضل الدعوة إلى الله،وأهمية تبليغ الدين..تأثرت بما تم طرحه كثيرًا ولكنها لزمت الصمت..فوجئت بعد أيام بأخرى تطلبها لتساعدها في مهمة تبليغ الدين..شعرت بالرهبة،والخوف من خوض التجربة..أحست بأنها غير مؤهلة لذلك..دفعات تشجيع من صديقاتها جعلتها تُقدم..وموافقة زوجها حسمت الأمر..المطلوب منها أن تُعلم الفلبينيات تعاليم الإسلام سواءً كنَّ مسلمات في الأصل أو جديدات.
الداعية"جميلة الصينية"
خاضت جميلة التجربة..وأقدمت عليها بكل حماس..إن للدعوة في بدايتها رهبة..ولإعداد الدروس والمحاضرات هيبة..الطريق في بدايته كان صعبًا..والارتباطات كان لكثرتها مشقة..تجاوزت الصعوبات..وتخطت العقبات..واستمرت في طريقها.. وانطلقت في الدعوة إلى الله..شعرت بسعادة كبيرة..تحلق من مكان إلى آخر..في بيوت أقارب زوجها ..وبيوت الصديقات..في المستشفيات..أصبح لعفويتها قبول..ولطيبتها أثر على محيطها..تتحدث على سجيتها دون تكلف أو عناء..تعد عناصر محاضراتها بدقة..وتهتم لجزئيات دروسها..ارتبكت عند إمساكها بمكبر الصوت أول مرَة..ولكنها تخطت ذلك سريعًا ..في أماكن كثيرة كانت تضع بصمتها الدعوية..وزوجها كان الساعد الأيمن لها في دعوتها..ولم تنس خلال مسيرتها قوله تعالى {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (214) سورة الشعراء،فكانت تبكي وتدعو الله أن يمنَّ على أهلها بالهداية وينير بصائرهم بالإيمان،تتواصل مع شقيقاتها عبر الإنترنت وتشرح لهن الحقيقة التي غابت عن أذهانهن.
ومرَّت الأيام: