الصفحة 1303 من 3812

4.... الوقفة الرابعة: التأسي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبأخلاقه في عسره وفي يسره، في تعامله مع الناس ودعوته لهم، لقد خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس طليق الوجه، ما كان يلقى الناس مكفهر الوجه ولا عابسًا، ولا محتقرًا، بل كان يلقاهم بالوجه الطليق والقول الرفيق، قال جرير بن عبدالله - رضي الله عنه -: (ما لقيت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا تبسم في وجهي) ، فالداعية أحوج للتحلي بهذا الأدب النبوي الكريم، فإذا سَلِمَ صدر الداعية من آفات القلوب، وكان نقيًا صافيًا لإخوانه المسلمين أظهر الله تعالى ما في قلبه من فلتات لسانه وجوارحه، قال بعض العلماء: (ما سر عبد في قلبه سريرة إلا أظهرها الله في فلتات لسانه أو في جوارحه و أركانه) ، فالذي يريد الدعوة إلى الله ينبغي أن يغيب السريرة النقية، يغيب السريرة التي تريد الخير للناس، فإذا قوي هذا الباعث في القلب دعاه إلى كل ما يستطيع لهدايتهم على الخير، وتحبيبهم في طاعة الله.

5.... الوقفة الخامسة: التواضع للناس كما كان يفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يقف لكبيرهم ويسلم على صغيرهم، كان يتواضع للناس جميعهم، فيجب على الداعية أن يتواضع للكبير والصغير والجليل والحقير، وأن يكون الناس عنده في كفةٍ واحدةٍ، وكان نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - يقول: (ألا أنبئكم بأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا) ، الداعية الصالح يتواضع للناس ويدنو منهم ويتعامل معهم بسعة الصدر، وأن يتعامل مع السفيه بسفهه و مع الغوي بغوايته و مع الطائش بطيشه ومع الجاهل بجهله، ولن يكون موفقًا إذا لم يحرص على خلق النبي - صلى الله عليه وسلم -، ما أجمل الدعوة إذا تجمل الداعية بالتواضع والأخلاق والرفق واللين وتوطئة الكنف، كما يقول القائل:

إن كريم الأصل كالغصنِ كلما... ... ازداد من خيرٍ تواضع وانحنى

لن يستطيع الداعية أن يكون موفقًا حتى يلتزم أخلاق الإسلام وآدابه.

6.... الوقفة السادسة: التضحية و الصبر والتحمل، ولن يستطيع الداعية على ذلك إلا إذا صبره الله عز وجل، الصبر من أجل النعم التي يمتن الله بها على عبده، قال - صلى الله عليه وسلم -: ( ما أعطي عبدٌ عطاءً أفضل من الصبر) ، وقال عمر- رضي الله عنه -: (وجدنا ألذ عيشنا بالصبر) ، يصبر الداعية في الدعوة وقد يفاجأ بالسآمة والملل، فينتظر ويحتسب الأجر عند الله عز وجل، ولا يقف ذلك عند الداعية أو الإمام أو الخطيب ولكن يشمله أيضًا أمام الزوجة و الابن و الابنة و الأخ والأخت والأهل، فعليك بالصبر لأنه بلاء بحكمة من الله، ولا تضجر ولا تمل ولا تسأم، لعل الله بذلك أن يهدي هؤلاء على يديك ويكونوا حجة لك لا عليك، إن الله يحب منك صبرك وتحملك فسيأتي اليوم الذي سوف تنال فيه رضى ربك وتقر عينك، فأنت أحق بالصبر في حال الصدود عنك أو سبك، فسيجعل الله ذلك في موازين حسناتك، وأن الله معك ما دمت مع الله، فتذكر صبر النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم إن ذهب للطائف، يدعو الناس إلى دين الله، فقال له أحدهم أما وجد الله نبيًا غيرك، و واجهه قومه بالصدود والإعراض حتى من أقرب الناس إليه، وقالوا عنه ساحر وكاهن ومجنون وأفاك، فما وهن ولا استكان وتابع دعوته لا يثنيه عنها شيء، وقد قرت عيون الصابرين حين سمعوا قول الله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) ?146? سورة آل عمران، وتكمل محبة الله لعبده على كمال صبره.

7.... الوقفة السابعة: الكلمة الطيبة والقول الحسن، والله سبحانه وتعالى يقول: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ?100? سورة المائدة، والكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة، وهي التي تعمل عملها وتؤثر تأثيرها على الناس، والتعامل مع الناس بالرفق واللين وأن يمتثل قول الرسول- صلى الله عليه وسلم:(ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع الرفق من شيء إلا شانه) ، فليتق الله الداعية في نفسه وفي أنفس الناس في دعوته، وأن يسأل العلماء ويغشى مجالسهم ويتودد إليهم، ليتعرف منهم على طرقهم في الدعوة والتعامل مع الناس.

والدعوة إلى الله لا تقتصر على منبر في توجيه أو تعليم، بل أنت داعية إلى الله في كل لحظة ما دمت تؤمن بالله جل شأنه، ومتبعًا لهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا جئت إلى أناس لتدعوهم فاعلم أن الناس ينظرون إليك ويلحظونك، فكل كلمة تقولها وتقصد فيها وجه الله، فهي في ميزان أعمالك الصالحة، إذا نصحت ولدك ووجهت ابنتك إلى الله فأنت داعية إلى الله، وإذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر فأنت داعية إلى الله.

وختامًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت