فهرس الكتاب
فما من تصرف للإنسان على هذه الأرض إلا ولله فيه حكم، فيقول لك: هذا مباح فاعمله، وهذا واجب لا بد أن تؤديه، أو هذا حرام إياك أن تفعله، أو هذا مندوب إن شئت فعلته فلك أجره، أو هذا مكروه الأولى لك أن تتركه، فأعمال المكلفين تقع ضمن أحكام تكليفية، لا ينفك المكلف من خلالها عن حكم الله .
فكيف تتصرف تجاه الله سبحانه وتعالى، تجاه النبي، تجاه المؤمنين، تجاه الكفار، تجاه الزوجة، تجاه الأولاد، تجاه الناس، لا يوجد تصرف من هذه التصرفات إلا وفيه حكم، وبالتالي لابد أن يكون لنا تصرف واحد، فإذا قال المؤذن: حي على الصلاة: فنتوجه جميعًا إلى الصلاة، وإذا رأينا المنكر تشمئز منه قلوبنا، كلنا نشمئز من هذا المنظر، ونحاول إنكاره بما
استطعنا، إذا حلت بنا مصيبة وقفنا منها موقفًا واحدًا: الصبر والتسليم لأمر الله والتصرف بما أمر الله سبحانه وتعالى، هذا إذا كان تصرفنا واحدًا.
ولكن إذا كنا مختلفين في العقيدة تصرفنا تصرفًا مختلفًا، فإذا قال المؤذن: حي على الصلاة: فواحد يكره هذا ويولي ظهره وآخر يلبي النداء، إذا رأينا منكرًا، أحدنا يستحسن هذا، وآخر يستنكره، وإذا رأينا امرأة عارية في الطريق فواحد يستحسن هذا، ويشجع هذا ويأمر به، وآخر يلعنها ويسبها، وهكذا يكون تصرف أمام المنكر مختلفًا، فلا بد من توحيد الصراط في العمل، وكذلك في المنهج التشريعي: صلاتنا واحدة، وصيامنا واحد، فقهنا واحد و هكذا لابد من توحيد صراط الأمة وهذا بتعليمها مناهج الإسلام كلها حتى يظهر في الأمة النموذج الكامل للإسلام.
الوصية الثالثة:
التربية والتزكية هي السبيل لإنشاء الجيل الذي ينصر الله به الأمة، ويعز به الإسلام .
ليس الإيمان بالعلم فقط، وإنما بالعلم والتصديق والإحساس وتشرب القلب، أعني أن الإيمان ليس هو فقط مطلق المعرفة بالله، فلو كان هو مطلق المعرفة بالله لكان إبليس مؤمنًا، وكان كل الذين يقرؤون القرآن ويقرؤون السنة مؤمنين، علمًا بأن القرآن مبذول لكل أحد، يأخذ منه المؤمن والمنافق، بل بعض الكفار عندهم دراسات، وعندهم من علوم القرآن والسنة أكثر بكثير من المسلمين المؤمنين، والحال أنهم بهذه الدراسة ليسوا مؤمنين وإنما الإيمان يقول: يقول الله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا} (2) سورة الأنفال , فلم يقل سبحانه وتعالى إنما المؤمنون الذي عرفوا الله ورسوله وإنما قال: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} هذا شعور وإدراك وتصديق {وإذا تليت عليهم آياته} ما قال حفظوها أو فهموها بل قال: {زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون} (2) سورة الأنفال.
التوكل معروف: وهو أن تبذل السبب وتدع النتائج إلى الله، لكن ممارسة هذا في الواقع العملي يختلف، فما كل من عرف هذا مارسه {الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} (3) سورة الأنفال ، كثير من الناس يعرفون وجوب الصلاة، وقد يعرفون أركانها وحدودها وتشريعاتها ولكن يؤذن المؤذن ولا يصلون، وإذا صلى فليس عنده قلب لإقامة الصلاة، وأعود فأقول (تربية على الإيمان) : {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} (14) سورة الحجرات.
ما معنى هذا؟ معناه أن الإيمان يحتاج إلى نوع من الممارسة والعمل، وهذا ما أعنيه هنا بالتربية، التربية على الإيمان، لأنه بالتربية يتشرب القلب الإيمان، وكذلك فأعمال الإيمان أعمال كثيرة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان] .
و الأمة تقوم على جيل القرآن وازعه، والخوف من الله رادعه، أناس يخافون الله عز وجل بالسر والعلن، هذا الجيل لا يمكن أن يتأتى إلا بتربية، ولذلك كان من حكمة الله ورحمته بهذه الأمة أن جيل الصحابة تربى التربية الكافية ولو أن الرسول من أول يوم دعا فيه الناس للإيمان جاءته كل قريش فدخلت في الإسلام في يوم واحد، ما تربى ولا خرج رجال، ولكن تأخر النصر إلى ثلاث عشرة سنة والمسلمون في الشدة العظيمة، والتعذيب والقهر والطرد والبلاء .
لذا لابد من اعتماد التربية وسيلة لإخراج الجيل، وكثير من الشباب المتحمس يريد أن يبني دولة الإسلام عن طريق قرار وجرة قلم من الحاكم، ولو كان هذا الحاكم في شعب منسلخ عن الدين، بعيد كل البعد عن الإذعان لمنهج الله، ومآل ذلك إلى أن يتحول الحاكم المسلم قبل هذا الشعب إلى سفاح وجلاد إذا أراد أن يقيمهم على الجادة، أو يسكت على انحرافهم، وهذه مصيبة أخرى.
الوصية الرابعة:
تجييش الأمة كلها للدعوة إلى الله، وألا تكون الدعوة مهمة مجموعات أو أفراد أو هيئات فقط، بل مهمة الأمة كلها .
لابد من تجييش الأمة كلها، وأعني بالتجييش أن تكون أمة الإسلام جيشًا واحدًا، وهذا لا يتأتى إلا بأن يعلم كل مسلم أنه جندي، وأنه مأمور من قبل الله بحمل هذه الأمانة، وبالتالي واجب الدعوة إلى الله ليس على طائفة معينة، بل على كل أحد بقدر جهده وبقدر عطائه ومن أعظم الأدلة على ذلك أن الله هدد بالنار القاعد عن الهجرة، قال تعالى: {الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} (28) سورة النحل أي: بالقعود في ديار الكفر وعدم تمكنهم من تطبيق الدين , فهذا الإنسان الذي لم تدفعه عقيدته لأن يترك بيته ووطنه ليعلن ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيم شرائع الإسلام، لا عذر له أن يقول كنا مستضعفين في الأرض.
الناس تخرج وتهاجر وتترك أوطانها لتكسب الدينار والدرهم، فإنه يجب أن يكون الدين أعز من النفس والدنيا .
الوصية الخامسة: