فهرس الكتاب
وأنا لا أدعو بالضرورة إلى دمج الجماعات الإسلامية في جماعة واحدة فهذا لا شك فيه استحالة وبعد عن الواقع والمعقولية في الوقت الحاضر، وإنما أدعو إلى الوقوف صفًا واحدًا في القضايا العامة وحرب أعداء الله وأعداء رسوله ودينه، وأما في أمور التربية الخاصة، والأولويات والاهتمامات، فلا شك أنه كلما كان هناك لقاء كان هناك تقارب، وكلما كان هناك أكثر من جماعة في القطر الواحد كان هناك مجال عظيم للتنافس في الخير والتسابق إلى الإحسان .
الوصية العاشرة:
الاعتصام بالله دائمًا، واليقين أنه هو سبحانه الذي يقود ويوجه مسيرة الدعوة، ويسدد الدعاة، ويختار لهم وأن الدين دينه والأمر كله له .
إن جماع هذا كله هو الاعتصام بالله تعالى، والعلم بأن حركة الدعوة إلى الله الذي يخطط لها ويقدر لها هو الله سبحانه وتعالى وليس الأفراد، ألم يكن النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو أكمل الناس عقلًا وفكرًا وفهمًا بدليل أن العرب بأحلامهم التي تزن الجبال كانوا إذا اختلفوا يتحاكمون إليه، ويرضون بحكمه ويقولون عنه: الأمين والصادق، وهذا من كماله البشري، ولما جاءته الرسالة وعنده هذا الكمال وعلمه الله سبحانه عز وجل، فكان يخطط كيف ينشر هذا الدين وكيف تعز الأمة، ولكن لا شك إذا نظرنا في القرآن فسنجد أن الذي كان يقود مسيرة الدعوة هو الله سبحانه وتعالى وليس الرسول عليه السلام، في الظاهر النبي.. لكن في الحقيقة والواقع الذي يخطط للأمر بمعنى يقدر الأمر هو الله سبحانه وتعالى .
فالله تبارك وتعالى هو الذي يقود مسيرة أهل الإيمان وهو الذي يربيهم ويعلمهم ويبتليهم بالخير والشر، الشر الظاهري لكنه في باطنه خير، فينبغي أن يعتصموا بالله كما قال الله في ختام آية الدعوة {واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير} (78) سورة الحج.
الخاتمة:
هذه يا إخوة: عشر وصايا هي والله ثمرة قلبي، وزبدة عمري وبحثي واستقرائي لحال الدعوة إلى الله عز وجل ما كذبت فيها -يعلم الله- وأرجو أن أكون قد أخلصت القصد والنية في بيانها وتقديمها.
و اعلم يقينًا أن هذه الأمور والقواعد العشر معالم حقيقية للطريق لو اتبعها الدعاة إلى الله لنصر الدين بأسرع مما نتصور.
وأسأل الله أن يأخذنا إلى طريقه وأن يرفق بنا في الأمر كله والله غالب على أمره وصلى الله على رسوله محمد وآله وصحبه وسلم.
كيف تدعوا إلى الله (1-2)
اسم المحاضر: الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ - حفظه الله -
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله، نشهد أنه بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق الجهاد، فصلواتُ الله وسلامه على نبينا محمد وعلى آل نبينا محمد، وعلى أزواج نبينا محمد وعلى صحابته، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
فموضوع هذا الدرس: كيف تدعو إلى الله؟
وسبب اختيار هذا الموضوع ما هو معلوم من أن الدعوة إلى الله جل وعلا مهمّة عظيمة، وأن كلَّ من رغِب في الخير واستقام على الإسلام فإنه يتطلع لأن يهديَ غيره؛ لأنّ في ذلك الفضل الجزيل، وفي ذلك الفضل العظيم الذي يعود عليه وعلى غيره, وأعظم عائدةٍ على المستقيم على الصراط أن يكون له مثل أجور من هداهم إلى الله جل وعلا, فقد ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، لا يَنْقص ذلك من أجورهم شيء، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه لا ينقص من أوزارهم شيء) ، وقد قال عليه الصلاة والسلام لعلي حين بعثه إلى خيبر: (فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم) يعني من الإبل الحمراء الغالية عند أهلها .
لكن كما نرى أن كثيرين يريدون أن يدعوا, ويريدون أن يهدوا الناس، لكن طريق ذلك لا يكون ماثلًا أمام أعينهم، ربما مروا بتجارب ليست بالمستقيمة، وربما حاولوا محاولات لم تكن مؤصلة ولم تكن عن تجربة، ولم تكن عن استرشاد بمن جرّب فنجح، فلهذا تكون خطاهم متعثّرة، وهؤلاء ربما فعلوا أشياء ودعوا، وكان في دعوتهم من الخطأ ما حجز آخرين عن قبول الحق والهدى؛ لأن خطأ الداعية ليس كخطأ غيره، ولهذا أمر الله جل وعلا الأنبياء جميعا بالصبر وأن لا يستخفَنَّهم الذين لا يؤمنون، كما قال جل وعلا: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) الروم:60، وقوله تعالى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) الأحقاف:35، فإن الدعوة أساسُها الحكمة، أساسها الأناة، أساسها أن يكون العبد سائرا على ما أمر الله جل وعلا به، وتاركًا لما نهى الله عنه، وإذا كان كذلك فإنّ دعوته يُرجى أن تُؤتي ثمارها ولو بعد حين.