فهرس الكتاب
الدعوة إلى الله جل وعلا مطلبٌ للجميع؛ مطلب من حيث العمل، ومطلب من حيث الغاية؛ لأن الغاية؛ غاية المجتمع المسلم أن يكون مستسلما لله جل وعلا، منقادا له في الظاهر ومنقادا له في الباطن أيضا, وهذه الغاية ينبغي للأفراد أن يسعوا في تحقيقها، وللمجتمعات أن تسعى في تحقيقها، وكذلك لدولة الإسلام أن تسعى إلى تحقيقها، فإنّ تعبيد الناس لله جل وعلا هو الغاية من خلقِهم، فإذا أدرك الناس ذلك فاستقاموا عليه، فذلك فضل، و إلا فإن الناس يدعوا بعضهم بعضا، ويُرشد بعضهم بعضا، لهذا كانت هذه المحاضرة أو كان هذا الدرس؛ كيف تدعو إلى الله جل وعلا؟ ونحن سنتطرق إلى بعض النقاط في هذا الموضوع ونشير إليها، ولن نتناوله بشمول، لأنه موضوع طويل الذيول، لكن بما يفتح آفاقا لدى مَن يحب أن يكون هاديا للناس، سائرا على الحق، على صراط سوي.
المتأمل اليوم في أحوال الناس يجد أن الدعوة على أنواع:
دعوة فردية: ونعني بالدعوة الفردية أن يكون الفرد يدعو فردا آخر، أو أن يكونوا أفرادا يدعون أفرادا آخرين.
و دعوة جماعية: والدعوة الجماعية أيضا من حيث الواقع منقسمة إلى قسمين:
1)منهم من يدعو جماعيا على أساس التعاون على البر والتقوى؛ فيتعاونون ويجتمعون على أن يهدوا الناس.
2)وهناك قسم آخر من الدعوة الجماعية وهي الدعوة الجماعية المنظّمة، التي تكون عن تنظيم بتجسيد المهمات، ويكون هناك قيادة، وفروع لهذا التنظيم.
الذي يهمُّنا من هذا التقسيم في هذا الدرس هو القسم الأول، وهو الدعوة الفردية التي يمكن أن يعمل بها المرء بمفرده.
فكيف يمكن أن تكون أنت داعية إلى الله جل وعلا؟ كيف يمكن أن تهدي الناس؟ كيف تمشي في هذا الطريق دون عقبات، ودون أن تتردد فيه، وتؤثر على الناس، ويُقبَل منك ذلك؟
إذا تأمّلت الواقع الذي تعيشه هذه البلاد، بل وواقع الأمة الإسلامية بعامة وجدتَ أن الخير ينتشر يوما بعد يوم من جهة اهتداء الناس إلى الإسلام، ومحبتهم إلى الالتزام به، ورغبتهم في تعليمه، وإقبالهم على الخير.
فإلى أي شيء يُعزى هذا الانتشار العظيم؟
هل هو نتيجة للدعوة الجماعية التنظيمية؟ لا شك أن الذي يقول أنه نتيجة لذلك أنه مغالٍ، وليس له في الواقع نصيب.
هل هو نتيجة لدعوة جماعية فيها تعاون على البر والتقوى؟ أي دعوة جماعية مرتّبة ليس فيها تنظيم وقيادة إلى غير ذلك، يعني ليس لها صفة الحزبية؟ أيضا هذا فيه بعد.
ولكن الواقع أن أكثر الأسباب ظهورًا إلى انتشار الإسلام، وفي زيادة الصحوة، وإقبال الناس نساءً ورجالا على الخير وعلى الهدى، هو نشاط الأفراد؛ فهذا ينشط في عمله، وهذا ينشط في أسرته، وهذا ينشط في حيِّه، وهذا الإمام ينشط مع جماعته، إلى آخره، فأكثرها نشاطات فردية، بدون مؤثرات عظيمة؛ أو مؤثرات جماعية.
القسم الأول: صفات الداعية المفرد:
إن الداعية المفرد الذي هو محور حديثنا، لابد أن يتصف بعدة صفات، هي:
أولا: لابد أن يكون في دعوته متجردا مخلصا لله جل وعلا، يعني أن يكون له رغبة في قلبه أن يجعل الناس مطيعين لله جل وعلا، ليس له رغبة في الدنيا، ولا رغبة في الجاه، ولا في السمعة، ولا في السيطرة، ليس له رغبة في أن يكون متعاليا على الناس، وغيرها من الأخلاقيات التي قد تعرض على بعض قلوب من يدعو إلى الله.
وأن يكون مخلصا لله متذللا مطيعا، يرغب في أن يهدي الخلق إلى الله جل وعلا، لا أن يهديهم إلى غيره، وهذا الشرط جاء في قول الله جل وعلا: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ) يوسف:108, قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في مسائل كتاب التوحيد في قوله: (أَدْعُو إِلَى اللَّهِ) : ( التنبيه على الإخلاص) ، وهذا أمر مهمّ مطلوب دائما، أن يكون في قلبك العمل لله جل وعلا.
إذن فالإخلاص نفهم معناه في أمرين:
الأول: أن لا تدعو إلى غير الله، ولا تحبب الناس في غير الله، وإنما تريد أن يطيع الناس رَّبهم جل وعلا وحده.
الثاني: أن تكون غير متعالي على الناس، يعني أن تكون أنت وهم بمنزلة
واحدة، ليس معناه أنه عاصي أنَّك خير منه، فلا تدري لمن تكون
الخاتمة السعيدة.
فهذا الخُلق الأول الإخلاص مهم بل شرط من الشروط، وواجب من الواجبات.
ثانيا: أن يكون ذكيا، حصيفا، نبيها، لأن حالة المدعو كثيرا ما تحتاج إلى تنبؤ، فيعرف كيف يدعو، كيف يرتِّب النتائج على المقدمات، كيف يعرف الطريق الأحسن للدخول لذلك، والذكاء هنا ليس أمرا فطريا فحسب، بل يكون أيضا بالتجرُبة، يكون بالتدرج، ولهذا من خالط الناس، و جرّب الدعوة اكتسب شيئا من الخبرة في معرفة كيف يكون الذكاء والحصافة والرأي في التعامل مع الناس.
الأمر الثالث من أخلاق الداعية: أن يكون الداعية محبًّا لبذل الخير راغبا في هداية الناس عن طريق بذل ما عنده، وأن لا يحقر شيئا من الخير، فيبذل جميع ما عنده، جميع قدراته التي يمكنه أن يبذلها, من مال أو جاه أو شيء من الحركة والعمل, أو الخدمة, أو طلاقة اللسان، وغيرها ، فهذه الأمور مطلوبة من الداعية، وهذه قد قال فيها عليه الصلاة والسلام (لا تحقرنَّ من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) .
رابعا من الأخلاق المهمّة للداعية: أن يكون واسع الأفق، يعني محلِّلا لما يجري حوله؛ فأحيانا يكون الأثر الذي يؤثر في المدعو سلبا, أو يؤثر في المدعو إيجابا، يكون هذا أثر غير مَرَئي، فيكون هناك أشياء في جوانب حياة هذا المدعو، خاصة من لا تعاشره دائما, فهذا كيف تؤثر عليه؟