فهرس الكتاب
لا بد أن يكون عندك رؤية متّسعة للمؤثرات التي تؤثر على هذا المدعو، وهذه الرؤية المتسعة ستستنتج منها الأسباب التي تصدّ هذا المدعو عن قبول الخير، وستستنتج منها الأسباب التي تجعل هذا المدعو يُقبل على الخير، إن كل مسلم عنده من الخير ما عنده، لكن هذا الخير ربما غطّى عليه كثير من الرَّان المنتشر في الناس، أو من نفسه والشيطان، أو أنه متأثربمن حوله من الشياطين الذين يصدون الناس عن الحق، فهنا لابد أن يكون عند الداعية استيعاب لما حوله، ثم إذا استوعب كانت رؤيته غير محدودة، بل رؤيته متسعة، ثم بعد ذلك يدرس هذه الأسباب، ويحاول أن يأتي ويحصّل الإيجابيات وأن يبتعد عن السلبيات، ولهذا جاء مبدأ المشاورة في الدعوة، فأحيانا الإنسان لا يدرك الأشياء بنفسه، خاصة من تحليل نفسيات المدعوين، لهذا قال عليه الصلاة والسلام لمن أرسلهما إلى اليمن: (تطاوعا ولا تختلفا، وبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا) .
خامسا: أن يكون معتنيا بشيء من العلم المتصل بالدعوة، وأن يعلم أن الدعوة إلى الله جل وعلا مراتبها كثيرة جدا، فهناك من الدعوة ما لا يصلح إلا للعلماء، وهناك من الموضوعات ما لا يصلح أن يدعو إليه من العلماء, هناك من الموضوعات ما يصلح أن يدعو إليه كل مسلم؛ لأن كل مسلم معه ولو الشيء القليل من العلم واليقين، الذي هو حق عليه أن يعرفه ويتعلمه، فإذا دعا فهو عنده في تلك الأشياء ما يجعله يدعو إليها.
ودليل العلم قوله جل وعلا: (عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي) ، فالبصيرة هي العلم.
سادسا: أن يكون الداعي إلى الله مرتبًا للأولويات، وهذا ما يُسمى بتقديم الأهم على المهم، أو ما يسميه بعض المعاصرين بفقه الأولويات، وهذا أصل شرعي، كما قال عليه الصلاة والسلام لمعاذ: (إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم...) ، بعض الناس ممكن أن يبدأ بالدعوة بفرعيات يعني بمستحبات ويترك الأصول.
فإن من فقه الداعية ومن الأخلاق التي لابد أن تكون معه أن يكون عنده ترتيب للأولويات، وهذا يتطلب أن يكون معه الأشياء السابقة، وهي أن يكون ذكيا فطنا واسعا حتى يمكن أن يعرف ما هي الأولويات المتصلة بهذا الفرد، أو بهذه الأسرة، أو بهذا البيت، إلى آخره.
سابعا: أن يكون متخلِّصًا عن حظ نفسه دائمًا، فيكون باذلًا لحق الآخرين، بعيدًا عن أداء حق نفسه، فالناس خاصة إذا تعاملوا مع من يدعوهم و رأوا أنه يتسلط ولو بكلمة فيها شيء من القوة والغلظة فإنهم لن يقبلوه: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) آل عمران:159، فعلى الداعية أن يكون واسع الصدر، فلا بأس أن يقول أخطأتُ، ولا بأس أن يقول معك الصواب.
القسم الثاني هو الميدان:
كيف تبدأ العمل؟ كيف تدعو عمليّا في بيتك؟ كيف تدعو عمليّا في مكتبك؟ كيف تدعو عمليّا في المؤسسة، أو في الشركة؟ كيف تدعو عمليّا في المتجر؟ كيف تدعو عمليّا في قريتك إذا رجعت إليها، أو إذا سافرت إلى أي مكان في الطائرة ؟... إلى آخره.
هذا المجال الذي هو المجال الميداني الذي لا شك أنه من المصاعب، ويحتاج إلى تجربة، لكن هو سهل ميسر إذا أخذته بتسهيل.
أولا: البيت: البيت يحتاج منك إلى أن تنظر في هذا البيت، فتنظر إلى ما فيه من الخير الذي يَرْغَب فيه أهل البيت، وما فيه من الشر الذي يقع فيه بعض أهل البيت وأنت لا ترض عنه، فكل بيت من بيوت المسلمين فيه أشياء من الخير وفيه أشياء من الشر.
و النظر إلى الخير لابد أن يكون مع النظر إلى الشرور والمنكرات، لماذا ؟ لأن تلك قَبِلُوها وهذه قَبِلُوها، فأنتَ تريد أن يقبلوا منك زيادة في الخيرات التي يمارسونها، وأن يقبَلوا منك التخفيف من الشرور والمنكرات التي يمارسونها، فإذن في نظرك إلى البيت حلِّل أولا الإيجابيات والسلبيات، حلّل الخيرات, وحلّل المنكرات, فانظر إلى أسباب حدوث الخير وأسباب حدوث الشر، فترى في أوقات كثيرة أن أسباب حدوث الخيرات هو الإيمان الكامل في نفوسهم، والرغبة الصادقة في الدار الآخرة وفي الخير، هذه تحتاج منك إلى تنمية؛ تنميتها بأمور تغرس الإيمان في القلب، وأهمّ ذلك أن يُوَطَّن أهل البيت على محبة القرآن والذِّكر.
وإذا نظرت من جهة أخرى إلى وضع الرجل في بيته نجد أنه يعطي البيت القليل، ويَرغَب من أهل بيته أن يكونوا كما يريد، هذا لا يمكن، فلا بد أن يعطي البيت الكثير سواء أكان والدا, أو كان أخا، أو غيرهما، فلابد أن يعطي بيته كثيرا من وقته، حتى يقبل منه، فأولئك لهم طلبات؛ فهم في هذا الزمان يريدون أن يذهبوا هنا وهناك، سواء كانوا رجالا ونساء وأطفالا، أو مراهقين، شبابا وشابات, يريدون من الرجل أن يبذل لهم، أن يذهب بهم ويخرجهم، فمن وسائل الدعوة المهمة العملية في البيت أن تبذل من وقتك الكثير وتنقل أهلك إلى ما يحبون، وفي خلال هذه المدة يمكن أن تُمرِّر كثيرا من الأشياء التي أمر الله جل وعلا بها ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك في إعطاء البيت وقتا في الجلوس معهم.
أيضا من المهمات في البيت أن تنظر إلى نفسية أهل البيت، وكل واحد تعالج نفسيته بما هو عليه.
أيضا أن تأتي بكل وسيلة من وسائل الخير فتدخلها إلى البيت، من شريط مستقيم طيب، ومن كتب مثل كتب الأذكار، وكتب المواعظ، والكتب النافعة التي فيها علاج المشكلات، والمجلات المأمونة الطيبة التي تعالج بعض المشكلات وتجعلها في البيت، وهم لا شك سيقرؤون، وسيكون هناك نوع تأثر بوضعها، لمجرد الوضع لا بالفرض، نقصد فرض تلك الأشياء.