فهرس الكتاب
بالنسبة للعمل: العمل ميدان آخر مختلف تماما عن البيت، فمعالجة البيوت أسهل من معالجة زملاء العمل؛ لأن هؤلاء قد بلغوا من العمر ما بلغوا؛ فلهم قناعاتهم, ولهم شخصياتهم, لكن هؤلاء لا شك أنهم على درجات مختلفة، فهؤلاء لا تنظر إليهم نظرة واحدة، بل كل واحد له وضعه، له تفكيره، له عواطفه التي في داخله.
زملاء العمل من أحسن ما يؤثر به عليهم، أن يكون هناك اثنين أو ثلاثة يبتدئون بوضع شيء من الزيارات الخاصة التي يكون فيها حضور لبعض أهل العلم، يعني يجعل مثلا بينهم لقاء أسبوعي أو ما يسميه بعض الناس دورية، يكون في ثلاث مرات في الشهر، على شكل جلسة عامة يتحدثون فيها بما يشاؤون، وفي أي أمر من الأمور، فهذا النوع من الربط المثمر بإذن الله .
أيضا من وسائل الدعوة في هذا المجال: نشر أشياء في العمل، كفتاوى لبعض أهل العلم، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، أو نشر أشرطة نافعة يكون فيها الأثر بإذن الله تعالى عليهم.
أيضا عن طريق الصحبة الخاصة, فينفع بعضهم بعضا، ويتوسط بعضهم لبعض، والسعي في نفعهم بالأخلاقيات التي ذكرنا.
كذلك إذا كان مسؤول العمل رجلا جيدا وصالحا، يمكن أن تعقد لقاءات لكل العاملين، ويؤثر عليهم عن طريقها.
فأمامك أخي مجالات من ناحية الجهد الفردي في العمل، يمكن أن تبذله ويكون معه أشياء من الخير، ولا يمكن طرق جميع الجوانب، لكن إذا كان هناك من سعى في ذلك فيجود بخبرته على الآخرين، أو إذا رأى المرء أنه سيبدأ في ذلك فعليه أن يشاور إخوانه، ويستفيد من تجاربهم.
جهة أخرى وهي ميدان الدعوة في القرى: من الناس من يأتي مثلا إلى الرياض أو للمدن، وبعد انتهاء فترة الدراسة، يريد أن يرجع إلى بلده في إجازة وظيفية... إلى آخره.
والقرى وضعُها يختلف عن وضع المدن؛ فوضع الناس فيها يختلف عن نفسيات أهل المدن -كما هو معروف-، فكيف يخاطب أولئك؟ وكيف يسعى لنشر الخير بينهم ؟
أولئك أقرب في الغالب إلى الخير؛ أي أنهم أقرب إلى عدم مجادلة أهل الخير من أهل المدن, لأن أهل المدن ترتبت فيهم أشياء من القناعة في بعض المنكرات، أما أهل القرى فلا زالوا يحترمون أهل العلم احتراما طيبا، ويحترمون أهل الصلاح احتراما جيدا، هؤلاء تدخل معهم في نطاقات:
النطاق الأول: تنشيط مجال الدعوة في البلد؛ يعني أن يكون لك صلة بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في البلد، أن يكون لك صلة بمكتب الدعوة في القرية أو في المنطقة, تنشيط الكلمات في المساجد والمحاضرات، من خلال الدروس التي تقام في المساجد أو المواعظ التي تقام بعد الصلوات, هذه لها أثر في نفسية أهل القرى.
النطاق الثاني: الدعوات العامة أو ما يُسمى باللقاءات العامة:
والداعية إذا نظر إلى هذه اللقاءات لوجد أنها مجالًا خصبًا لتوصيل ما يريده إلى المجتمع من أفكار ومعتقدات.
فهذه اللقاءات يكون الكلام فيها غالبا يدور حول ما يطرحه أول متكلم من موضوعات.
يعني لو بدأت أنت موضوعا ما، فإن الحديث في هذا المجلس سيستمر وقتا من الزمن في هذا الموضوع، وذلك إذا طرحته طرحا جيدا مقبولا.
فلو تكلمت مثلا عن شيء من أخبار الصحابة - رضي الله عنهم - أو أخبار بعض أهل العلم وما هم عليه، أو تحليل لموقف من المواقف أو نحو ذلك، فإن الحديث سيستمر في هذا الموضوع شيئا من الزمن، ربما ربع ساعة أو نصف ساعة، بقدر نباهة الداعية.
وهنا عليك أن تطيل وتتفرع في الموضوع لكي تعم الفائدة، ولكي تستطيع إيصال الفكرة التي تريدها، وكما تريدها بإذن الله تعالى.
نقصد أن يكون هذا المشارك مهتمًّا في أن تكون الجلسات العامة ليست جلسات قيل وقال، بل تكون الموضوعات المطروحة فيها مدروسة، وهذا لا بد أن يكون معه كما ذكرنا من قبل دراسة موضوعية لما يكون في تلك البلاد أو القرى من الأمور الإيجابية والسلبية.
مجال رابع من مجالات الدعوة الفردية أيضا هو: التأثير على من هم أقل منك؛ يعني المعلم مع طلابه, كبير الزملاء مع صغار زملائه وهكذا, هذا نوع من التأثير أو نوع من المخالطة موجود, والتأثر به كبير، والتأثير بهذا الطريق سهل؛ ذلك لأن الصغير في الغالب يرى المعلم، أو الزملاء الصغار يرون الكبير له محلا من الاحترام ومحلا من التقدير, وهذا يجعل الفرصة سانحة لكي يقول ما عنده، ويؤصل الدعوة الصحيحة بما يحصل لهم به الخير، وينتقلون معه إلى الأفضل.
رسالة عاجلة للدعاة
للشيخ / خالد بن ثامر السبيعي
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد ولد آدم محمدٍ الأمين، وبعد:
في قرون مضت قدنا العالم كله، وكانت لنا السيادة والريادة، وفي صحراء الجزيرة المنقطعة عن الحضارات كلها صنع محمدٌ عليه الصلاة والسلام أمة عجبًا، قال العدو في وصف أهلها: (إنهم رهبانٌ بالليل فرسان بالنهار) .
وما زالت الأمة في خير عظيم منذ بزوغ شمس الإسلام على يد الحبيب صلى الله عليه وسلم تنهل من المعين الصافي وتستمد قوتها من فيض رحمة الله حتى تنكبت الطريق وزلت بها القدم وأخذت بأخذ الأمم من قبل فانتشر الفسوق والعصيان ودب اليأس والقلق وصال الشيطان وجال حتى أصبحت الأمة في ذيل القافلة، فتداعت علينا أمم الكفر كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فحل البلاء وسالت الدماء وقطعت الأشلاء ودنَّس المسجد الأقصى بأيدي أحفاد القردة والخنازير وانتهكت أعراض العفيفات ظلمًا وعدوانًا.
والعالم كله قد أصيب بالشلل التام، لا حراك، ولا نصير إلا الله سبحانه وتعالى، عندها تذكرت قول ابن الأثير وهو يصف المجازر التي حلت بالمسلمين على يد التتار والتي ختم وصفها بقوله: (يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت شجرة تعضد) ..