الصفحة 1315 من 3812

ولكن هذا الكلام يحكي واقعًا ولا يقودنا إلى اليأس ، فيشاء الله سبحانه أن يُظهر ما تكن صدور الأعداء تجاه الإسلام والمسلمين، فإذا بهم يعلنون في تحدٍّ سافر مصداقًا لما أخبر الله تعالى به: {وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودَ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } (120) سورة البقرة,وأصبح الأعداء لا يرضون بأنصاف الحلول، وإنما هو الاجتثاث الكامل للإسلام وأهله!

وكشر العدو عن أنيابه، ورمانا من قوس واحدة، بل أحاط بنا إحاطة السوار بالمعصم، عندها يكون من أولى المهمات وأسمى الغايات توحيد الأمة الإسلامية ونبذ الفرقة والخلاف، ويتأكد ذلك بشكل كبير في حق الدعاة والقيادات في العالم أجمع؛ إذ لا مجال للتخاذل أو المماطلة في هذا الوقت تحديدًا.

لذا أعددت هذا العمل المتواضع والذي أسميته (رسالة عاجلة للدعاة) وأردفت (بمعالم في طريق الأمة الواحدة) إسهامًا مني في إعادة ترميم جسد هذه الأمة المتمزق علَّ وعسى أن تكون خطوة في طريق وحدة الأمة وعودتها إلى موقع الصدارة في هذا العالم والذي ينبغي ألا يكون إلا لها.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

إن من أعظم المصائب التي حلت بالأمة في هذا الزمان تركها لشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي صمام الأمان لهذه الأمة ومفتاح وحدتها وسعادتها ؛ ذلك أن ترك هذه الشعيرة سبب في التناحر وتعريض المجتمع للانهيار والانهزام أمام العدو الخارجي المتربص.

وبعد.. فإن الواجب على طلبة العلم والدعاة أن ينتبهوا إلى أهمية هذا الأمر، وأن يربوا الأجيال عليه وأن يوجدوا برامج عملية لإحياء هذه الشعيرة في القلوب وترجمتها على الواقع بالوسائل المتاحة.

فهل تعود الأمة إلى منهج السلف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، وذلك عن طريق نصح الناس في الطرقات والأسواق والمؤسسات، وإيجاد برامج لنشر الخير ودفع المنكرات، وما تزال المكاتبة والمناصحة الشفهية والهدايا والأشرطة وغيرها متاحة أمامنا فضلًا عن الثورات الحديثة في الاتصالات والمواصلات، لكننا هجرناها وانشغل بعضنا ببعض، فانحسر الخير في واقع الناس، وانتشر الفساد انتشار النار في الهشيم.

اختزال الأمة.. لمصلحة من:

إخراج الناس من الظلمات إلى النور هو الهدف الأول، ثم يأتي التمكين بعد ذلك، أما إذا اختلف الترتيب المنطقي للدعوة، كتجميع الناس حول فكرة ثم يأتي الإنقاذ من النار بعد ذلك؛ فهذا هو الاختزال المذموم.

إن ذلك الترتيب غير المنطقي أفرز بعض المظاهر التي مزقت الأمة الواحدة وانعكست سلبًا على مجتمعات المسلمين مولدة عدة عيوب منها:

1-الانتقائية: لقد أصبحت هناك معايير لدعوة الناس، مثل التركيز على فئة دون أخرى، وأفراد دون آخرين .

إنه مشروع إسلامي لجميع الفئات، فلماذا نجزئ مشروع الإسلام ثم نتنازع بعد ذلك؟!

ومع ذلك فإننا لا نذم هذه الطريقة إن نحن وضعنا الهدف الأساسي نصب أعيننا؛ ألا وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور وإنقاذهم من النار .

2-التزاحم على السيادة والريادة في الدعوة:

مما أنتج:

أ- ... انتشار الفساد في واقع الناس .

ب- ... خسارة عدد غير قليل من الشباب الطموح المضحي، بين متساقط، وآخر قد أصيب بالفتور، وثالث انتكس بعد أن كان شمعة تضيء للآخرين الطريق.

ج- ... لقد اهتزت ثقة الناس ببعض الشباب والدعاة حينما شاهدوا الضريبة المحزنة لهذا التزاحم كالفُرقة والحقد وسوء الظن، وأحيانًا تُطرق أبواب الكذب والخداع كالذي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيها، فماذا بقي لعامة الناس.

د- ... الاستعراض الدعوي ، إن إلقاء نظرة عامة على واقع العمل الدعوي تولد لدى المتأمل إحساسًا بتعاظم المظهر على حساب الجوهر.

فالصخب الإعلامي لبعض الأنشطة يتناسب تناسبًا عكسيًا مع أبجديات الدعوة من تربية إيمانية وعلمية وسلوكية، ومن مظاهر ذلك الاستعراض المبالغة في الثناء والمديح لبعض الأسماء بقصد جعلها رموزًا لمنهج معين لا تقبل المنافس.

لقد كان السلف يسترون أعمالهم الصالحة ويبالغون في ذلك خوفًا من الرياء، ويلاحظ اليوم أن الطلب اشتد على المديح والثناء، وهذا يعكر صفاء النيَّات، ويعرض الأعمال الصالحة لخطر الرفض، واستجابة لذلك الطلب نجد الكثير من الدعاة يبالغون في المديح والثناء لبعضهم بعضًا ولغيرهم، وهذه المبالغة في المديح تتخذ أحيانًا نوعًا من التألِّي على الله ، وفيها من صنوف الخضوع وإذلال النفس وإدخال الغرور على الممدوح !

إخوان العلانية أعداء السريرة:

نعم إخوة في العلانية يضحك بعضهم مع بعض ويتبادلون أطراف الحديث كما لو أنهم يعيشون حالة من الصفاء التي ليس لها نظير، وحينما يتوارى البعض عن الآخر تبدأ بعض الممارسات التي لا تليق بعامة الناس فضلًا عن أناس يحملون رسالة سامية، وسبب هذه العداوة أو هدفها تجيير الجهود أو طلب التفوق على الغير في ميدان الدعوة؟!

لقد كانت بداية النبي صلى الله عليه وسلم ' في المدينة تهدف إلى إرساء مقومات المجتمع الإسلامي ويمثل ذلك:

(1) بناء المسجد:

وفيه إشارة إلى العبادة والمنهج النبوي الكريم.

(2) المؤاخاة: وفيه إشارة إلى صفاء القلوب والسرائر .

ناصحوا ولاة الأمر وادعوا لهم بالصلاح:

إننا نمر بمرحلة حرجة في تاريخ الأمة الإسلامية تحتاج منا إلى وقفة صادقة ومنهجية واضحة في التعامل مع هذه الأحداث التي تخرج الأمة من عنق الزجاجة، ومن هذه المحنة وهي أصلب عودًا وأشد تماسكًا، وإن أهم أركان هذا التماسك هم الحكام والعلماء والشعوب، وإن المنهج الشرعي مع الحكام حتى وإن جاروا الصبر ، ما لم نرَ كفرًا بواحًا عندنا من الله فيه برهان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت