فهرس الكتاب
أيها الدعاة .. اتركوا الفنادق وانزلوا إلى الخنادق:
أين نحن أيها الدعاة من الميدان.. في الميدان وبين الناس ومع الفقراء والمساكين والمحتاجين والمظلومين تتبخر الأسماء الرنَّانة وتذوب الألقاب المصطنعة، ويظهر الإنسان على حقيقته، داعية مجرد من كل النعوت، حيث تتوارى الأقوال لتحل محلها الأفعال.
فرسولكم صلى الله عليه وسلم ' كان يمشي بين الناس في الأسواق، ويقف مع الصغير يداعبه، ويسير مع الأمة تمسك بيده تسير به حيث شاءت، ويزور أم هانئ في بيتها، ومع ذلك كله وغيره الكثير؛ يدير شؤون الدولة الإسلامية.
المرتزقة:
سمع الناس في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ' بمقدم أبي علاء الحضرمي من البحرين بأموال معه، فتجمعوا حول الرسول صلى الله عليه وسلم ' فقال: ( فأبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا كما فتحت على الذين من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم ) .
هكذا كان عليه الصلاة والسلام يحذر الناس والأخيار في عهده من انفتاح الدنيا عليهم والاغترار ببهرجها ومتاعها الزائل الحقير، ومن غلب عليه حب الدنيا فإن النتيجة الطبيعية الهلاك؛ هلاك المجتمع، وهلاك الأشخاص.
لقد فتحت المناصب على بعض الدعاة حتى ألجمتهم عن قول كلمة الحق ونصرة المظلوم، بل ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك مستغلًا القواعد الشرعية أو لاويًا أعناق النصوص لتحقيق مصلحة شخصية أو رؤية فكرية منهجية.
النخبة.. خطر يهدد الأجيال:
النخبة المعنية هنا ليست النخبة المجرمة المنحرفة، ولكنها النخبة الخيرة التي تبتغي ما عند الله عز وجل.
لقد ظهر في واقع الدعاة اليوم داء النخبة الخطير الذي يتناسب عكسيًا مع الفتوحات الربانية.
يبدو أن هذه النخبة قد انحرفت عن أهدافها شيئًا يسيرًا فضلت السبيل، ربما غرتها بنيات الطريق فذهبت تتخبط وهي تريد أن تجمع بين الدنيا والآخرة بتوازن غير معقول حتى لو تخلت عن شيء من مبادئها وثوابتها، والضحية هم الأجيال.
وإن من أبرز العيوب التي أفرزتها تلك الطبقة في واقعنا:
1-... أصبح لبعض النخب الدعوية امتيازات دنيوية وفرص دعوية ورحلات مجانية ودورات إدارية.
2-... ادعاء الفرادة في توجيه المدعوين وتعليمهم كل ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم .
3-... التعالي عن ممارسة أي واجب دعوي عملي أو ميداني بحجة الانشغال بما هو أهم.
4-... زيادة تحقير عامة الناس .
إن النخبة في تاريخ سلفنا الصالح ومن سار على نهجهم هم إما:
أ- عالم نذر نفسه لله يعقد الدروس وينهل من العلم وينشر الخير بين الناس في يومه .
ب- ... أو عابد قد تفطرت قدماه من طول القيام وظهر على وجنتيه خطان أسودان من كثرة البكاء .
ج- ... أو مجاهد تكسرت في يده أسياف ودروع ليس في جسده موضع شبر إلا وفيه طعنة أو إصابة في سبيل الله .
د- ... أو متصدق قد بذل ماله في سبيل الله فهو يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
هـ - ... وإما داعية يجوب البلاد شرقًا وغربًا؛ فهو مبارك أينما حلَّ، يدعو الناس إلى الإسلام والإيمان، فكم هدى الله به من البشر.
لقد عانت الأمة الإسلامية منذ زمن طويل من ويلات النخبة؛ سواءً في السياسة أو في الاقتصاد أو غير ذلك، وفي كل مرة يتساقط الضحايا تحت أرجلهم، تسحق الشعوب لأجل مجموعة من البشر، وتدمر الديار لاسترضاء عصابة من الطغاة، والضحية هم الشعوب والأجيال.
الاستلاب الفكري:
ليس أضر على الأمة الإسلامية من تأجير العقول وتجيير الأفهام، ولقد ذم الله سبحانه وتعالى قوم فرعون بقوله: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} (54) سورة الزخرف ، وهذا الاستخفاف نوع من أنواع الاستلاب الذي قاده إلى القول: {مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَىَ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ} (29) سورة غافر.
وإننا في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن وضلت فيه الأفهام، وزلت فيه الأقدام، بدأنا نشم رائحة الاستلاب تزكم الأنوف وترهق الأجيال في زمن قل فيه الرجال.
وإليكم بعض الممارسات الاستلابية:
-أصبح كثير من الشباب لا يفكر بعقله بل بعقل غيره، ويطبق ما يراه الغير لا ما يدين الله به.
-بعض المربين يمارس الاستلاب عن طريق توجيه الأوامر غير القابلة للنقاش.
-البعض ليس له حق الانتقاد ولا حتى المشاركة في تحقيق واقع أفضل فهذا محرم عليه.
-بعض طلبة العلم والمربين يلزم طلابه بالاطلاع على ما يغذي التوجه الخاص بهم دون الاطلاع على الرأي الآخر المختلف أو حتى المتنوع.
ثم إن هناك إفرازات سيئة في الواقع بسبب هذا الاستلاب، ومنها:
1-ظهور الولاء الخاص دون الولاء العام .
وإليك بعض صوره:
-أن يحب أحدهم فلان من الناس لأنه يوافقه في المنهج والفكرة حتى وإن كان مقصرًا في جانب من جوانب الطاعة، ولا يحب الشخص الآخر وإن كان تقيًا لأنه يخالفه المنهج.
-أن يجد الراحة في الصلاة خلف إمام يعرفه ويتفق معه في المنهج بينما لا يصلي خلف إمام آخر ولا يرتاح لذلك حتى ولو كان حافظًا لكتاب الله.
-أصبح حضور المحاضرات حسب الولاء الخاص وتكثير سواد من له الولاء .
-ظهور الخلاف والفرقة في بعض الأسر بين الأشقاء بسبب الولاءات الخاصة.
2-الأجيال بين مطرقة التدجين وسندان الاستنساخ:
إن من أخطر آثار الاستلاب هو تدجين شرائح من المدعوين الذين لا يملكون شيئًا من مقومات الشخصية، بينما في الطرف الآخر يتم استنساخ نماذج من الأشخاص المؤثرين حتى يستمر ذلك الخط الدعوي على نفس الوتيرة.
3-تقديس الأشخاص: