الصفحة 1321 من 3812

وكذلك إذا أطلق النهي عن المنكر من غير أن يقرن بالأمر بالمعروف فإنه يدخل فيه الأمر بالمعروف، وذلك لأن ترك المعروف من المنكر، ولأنه لا يتم ترك الشر إلا بفعل الخير.

وأما عند اقتران أحدهما بالآخر فيفسر المعروف بفعل الأوامر، ويفسر المنكر بترك النواهي .

4-عظم شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله:

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله أصل عظيم من آكد الأصول الإسلامية وأوجبها وألزمها، حتى ألحقه بعض العلماء بالأركان التي لا يقوم بناء الإسلام إلا عليها، وإنما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب للأمر بالمعروف الذي رأسه وأصله التوحيد، وللنهي عن المنكر الذي رأسه وأصله الشرك والعمل لغير الله، وشرع الجهاد لأجل ذلك، وإن كان الجهاد قدرًا زائدًا على مجرد الأمر والنهي.

5-واجب العلماء وتحذيرهم من التقصير في العمل:

العلماء عليهم واجب عظيم ومسئولية خطيرة، فإن عليهم أمر الناس وإرشادهم إلى الخير، ونهيهم وتحذيرهم من الشرّ، وعليهم نصيحتهم وترغيبهم في الخير، وترهيبهم من الشر، وعليهم أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئًا وفي حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار ) .

الباب الأول:

في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه ثلاثة فصول:

الفصل الأول:

في حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم قادر، وهو فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، ويكون فرض عين على القادر إذا لم يقم به غيره، ومناط الوجوب هو القدرة، فيجب على كل إنسان

بحسب قدرته لا يجب على كل أحد بعينه بل هو على الكفاية فإذا لم يقم به أحد أثم كل قادر بحسب ما أوتي من قدرة، كما قال - صلى الله عليه وسلم - ( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) .

وظيفة المحتسب في الإسلام:

المحتسب في الإسلام وظيفته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما ليس من خصائص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم .

الأصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه فرض كفاية ولكنه يصير فرض عين في حالتين:

الأولى: أن لا يعلم به إلا هو .

الثانية: أن لا يتمكن من إزالته إلا هو .

أدلة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

أ - الأدلة التي تأمر بأداء هذا الواجب:

الأدلة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله تعالى، في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - كثيرة ومتنوعة، فمنها الأمر بالقيام بهذا الواجب وأدائه، ومنها الثناء عل أهله، ومنها التوبيخ والوعيد لمن تركه، ومنها الذم والعيب على من تركه.

أ - فمن الأدلة التي تأمر بأداء هذا الواجب ما يلي:

قال الله تعالى:

{ و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون (104) } سورة آل عمرآن .

ب - من الأدلة التي فيها الثناء على أهله والمدح لمن فعله:

قال الله تعالى:

{ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون بالله (110) } سورة آل عمران .

ج- من الأدلة التي فيها التوبيخ والوعيد لمن تركه:

قال الله تعالى: { لولا ينهاهم الربانيون و الأحبار عن قولهم الإثم و أكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون (63) } سورة المائدة.

د - من الأدلة التي فيها الذم والعيب لمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

قوله تعالى:

{ و إذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس و لا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم و اشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون (187) } سورة آل عمران .

شروط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

يشترط في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الشروط التالية:

1-الإسلام .

2-التكليف .

3-الاستطاعة .

ويشترط في الفعل الذي يجب إنكاره:

1-أن يكون منكرًا سواء كان صغيرًا أو كبيرًا .

2-أن يكون المنكر موجودًا، فمن فرغ من شرب الخمر مثلا لم يكن لآحاد الناس الإنكار عليه إلا بالوعظ إذا صَحَّ من سكره.

3-وأن يكون المنكر ظاهرًا بغير تجسس، فمن ستر معاصيه في داره وأغلق عليه بابه، فإنه لا يجوز لأحد أن يتجسس عليه ما لم يظهر شيء من ذلك.

4-أن يكون المنكر معلومًا بغير اجتهاد، فينكر على من خالف نصًّا أو إجماعًا أو قياسًا جليًا، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه .

واختلف في الشرطين الآتيين:

1-إذن الإمام: والصحيح عدم اشتراطه؛ لأن آحاد المسلمين منذ عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمرون وينهون من غير إذن ولعموم الأدلة الموجبة لذلك لكل من قدر عليه.

2-العدالة: ذهبت المعتزلة إلى اشتراط العدالة وأنه ليس لفاسق أن يأمر وينهى، والصحيح عدم اشتراطه كما ذهب إليه أهل السنة؛ لأن الفاسق مسلم مكلف فتشمله أدلة الوجوب، ولأن المكلف عليه واجبان: واجب العمل، وواجب الدعوة والأمر والنهي، فإذا قصّر في أداء أحد الواجبين فإن ذلك لا يسقط عنه الواجب الآخر.

الفصل الثاني:

حكم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة على ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت