فهرس الكتاب
الأمر الثاني: أن يلاحظ بباطنه أنه لا يدري هل يدوم له هذا الحفظ، أو يفتن والعياذ بالله، وأنه كم من تائب عابد رجع إلى المعاصي فقبض عليها، وكم من عاصٍ مسرف تاب الله عليه فجنب توبته ما سلف قبلها، فقبض مغفورًا له، فيسأل الله الثبات والاستقامة، ويكثر من قول:"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر من هذا الدعاء، فيكون متأسيًا بنبيه.
الأمر الثالث: أن يكون بعيدًا عن الكبر والرياء والاحتقار والازدراء، فلا يرى لنفسه عزة وعلوًّا على المأمور والمنهي، بالعلم والتنزّه عن مثل هذه المعصية، ولا يرى احتقار المنكر عليه بالجهل والوقوع في المعصية و ازدراء لذلك، حذرًا من أن يكون قصده الباطن بكلامه إظهار رتبته بشرف العلم والعفة، وإذلال صاحبه بنسبته إلى خسة الجهل ورذالة المعصية، فإن علم من نفسه أن هذا هو الباعث له على الإنكار، فقد وقع في منكر أقبح في نفسه من المنكر الذي أنكره، ومثله في هذا كمثل من يخلص غيره من النار بإحراق نفسه، وهو كمن يأمر بالمعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه، وهذه مذلة عظيمة وغرور من الشيطان.
الأمر الرابع: ينبغي للمحتسب أن يمتحن نفسه ليتبين له سلامتها من الرياء والعجب وحب الظهور، حينما يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهو أن يكون قصده في الباطن زوال المنكر وحصول المعروف، سواء حصل ذلك بسببه أو بسبب غيره، ويرى أن هذا الواجب ثقيل وشاق، ولو كفاه غيره وقام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه لا يغضب ولا يرى من نفسه كراهية، بل يفرح بزوال المنكر وحصول المعروف. ...
الأمر الخامس: ينبغي للمحتسب أن لا يلتفت إلى الوساوس والأوهام التي يلقيها الشيطان، بل يدفعها ويقابلها بصريح الإيمان، وذلك مثل ما يلقيه الشيطان في نفس الآمر والناهي من الخوف والجزع وتقدير وقوع المحذور، من الضرب أو القتل، أو أخذ المال، أو العزل عن المنصب، فإن هذه التقديرات كلها في الحقيقة من وساوس الشيطان، ليثبطه عن القيام بأداء هذا الواجب.
كيفية الإنكار:
كيفية الإنكار على من يفعل المنكر يختلف باختلاف حال الفاعل وما يناسب حاله، فينبغي للمحتسب أن يستعمل في إنكاره الكيفية التي تكون أنسب وأجدى في زوال المنكر، وذلك بأن يراعي مقامه ومنزلته، ثم يسلك معه أقرب الوسائل إلى حصول المقصود وهو الصلاح، فيكون قد أتى بالأمر والنهي بالصراط المستقيم، الذي أمر به.
وسأستعرض أنواعًا من الناس، وأبين كيفية الإنكار عليهم على النحو التالي:
1-كيفية الإنكار على الجاهل لما يرتكبه بأنه منكر:
من أقدم على منكر جاهلا أنه منكر، بحيث لو علم أنه منكر لما أقدم عليه، فإنه يُعلَّم برفق ولطف وسياسة، وليحذر من الطيش والعجلة، بل يستعمل التأني والتثبت والملاطفة في الدعوة؛ فإن في ذلك خيرًا كثيرًا، وإن كان يعلم منه أنه لو سمع الكلام من غيره رجع عن فعله، فإنه ينبغي له أن يطلب من غيره ممن لا يشق عليه أن يبين له ما هو عليه من المخالفة ليكون ذلك أوعى إلى القبول والاستجابة.
2-كيفية الإنكار على العالم بأن ما يرتكبه منكر:
من أقدم على فعل منكر مع علمه أنه منكر، إما لأنه يعلم ذلك، أو لأنه عُرِّف أنه منكر، ومثال ذلك من يواظب على الغيبة أو أكل الربا أو الرشوة مع علمه أنه حرام، فالمنكِر يستعمل معه الوعظ والتخويف، وبيان رتبة تحريم تلك المعصية، وبيان ما جاء فيها من الوعيد والتهديد، ويسوق له الأخبار الواردة في تلك المعصية، فإن ذلك أجدى وأنجع في التأثير في العالم بالحكم.
3-كيفية الإنكار على الوالد من قِبَل ولده:
إذا فعل الوالد منكرًا، فللولد أن يأمر والده وينهاه بالوعظ والنصح، مع الرفق والتلطف في الكلام، وليس للولد مقابلة والده بالتخويف ولا بالتهديد ولا بالضرب ولا بالسب ولا بالتعنيف ولا بتخشين الكلام، وذلك لأن الوالد له على ولده حق , ومع ذلك يستعمل معه التلطف في الخطاب، والترحم عليه والدعاء له، وبيان ضرر المعصية حتى يهدأ والده ويسكن إليه، ويعلم أن قصد ابنه محض النصح له والشفقة عليه والغيرة لله ولمحارمه.
4-كيفية الإنكار على السيد من قبل عبده:
إذا فعل السيد منكرًا فللعبد أن ينكر عليه برفق ولطف ولين إذا لم يخش من سطوته، فإن كان يخشى من سطوته، طلب من غيره أن يناصحه ممن يؤثِّر نصحه فيه، وبذلك تبرأ ذمة العبد.
5-كيفية الإنكار على الشيخ من قبل تلميذه:
إذا فعل الشيخ منكرًا فللتلميذ أن ينكر عليه ويعامله بموجب علمه، ويبيِّن له مغبّة المعصية وعاقبتها الوخيمة، ويخوفه بالله وسطوته وعقوبته، ويبين له أن العالم قد قامت عليه الحجة بخلاف الجاهل، وإن لم يعمل بعلمه ولم يأتمر بالأوامر وينزجر عن النواهي , وأن من فسد من علماء هذه الأمة فهو داخل في المغضوب عليهم، فلعل ذلك أنجع في إقلاعه عن دينه، ورجوعه إلى جادة الحق والصواب.
6-كيفية الإنكار على الزوج من قبل زوجته:
إذا فعل الزوج منكرًا فإن الزوجة تنكر عليه بالرفق واللين والموعظة الحسنة، وتبين له أنها مطيعة له، ومعترفة بما له عليها من حق، ولكن عليه هو أن يطيع الله ويجتنب محارمه، وأنها لن تسكت على فعله المنكر، وأنها مشفقة عليه من العقوبة، وليست عاصية له ولا مؤذية له، وإنما هي مشفقة ناصحة له، فإن أفاد ذلك في إقلاعه عن الذنب ورجوعه عنه، وإلا فتطلب من أقاربه أو أقاربها ممن له تأثير فيه أن يناصحه، حتى يزول المنكر ويحل محله المعروف فيحصل الخير والصلاح .
7-كيفية الإنكار على السلطان من قِبَل رعيته:
لا شك أن من أعظم أنواع الأمر بالمعروف كلمة حق عند سلطان جائر .