فهرس الكتاب
وإذا ارتكب السلطان منكرًا فللرعية معه ثلاث حالات:
الأولى: أن يقدر على نصحه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر من غير أن يحصل منه ضرر أكبر من الأول، ولا منكر أعظم من الأول، ففي هذه الحالة يجب نصحه، وكيفية النصح يجب أن يكون بالموعظة الحسنة مع اللطف؛ لأن هذا هو مظنة الفائدة، وناصحه وآمره في هذه الحالة مجاهد سالم من الإثم، ولو لم ينفع نصحه.
الثانية: أن لا يقدر على نصحه، لأنه يبطش بمن يأمره، أو لأن نصحه يؤدي إلى حصول منكر أعظم وضرر أكبر، وفي هذه الحالة يكون الإنكار عليه بالقلوب، وكراهية منكره والسخط عليه، وهذه الحالة هي أضعف الإيمان.
الثالثة: أن يكون راضيا بالمنكر الذي يفعله السلطان ومتابعًا له عليه، وفي هذه الحالة يكون شريكه في الإثم والوزر.
8-كيفية الإنكار بالهجر:
نتكلم عن الهجر في حدود المباحث التالية:
1-معنى الهجر والمراد به:
الهجر في اللغة: الترك.
والمراد به هنا هجر العاصي ومقاطعته .
2-تقسيم الهجر وبيان الشرعي من غيره:
والهجر نوعان:
أحدهما: هجر لحقِّ النفس وحظها.
والثاني: هجر لحقِّ الله.
فالأول: غير مشروع ولا مأمور به، بل منهي عنه
وهذا الهجر لا يجوز أكثر من ثلاث عند الحاجة إليه، بل يرخص فيه ثلاثة أيام فأقل .
والثاني: هجر لحق الله، وهذا هو الهجر الشرعي المأمور به، فهو طاعة، والطاعة لا بد أن تكون خالصة لله، وأن تكون موافقة لأمره، فتكون خالصة لله صوابًا، فمن هجر لهوى نفسه، أو هجر هجرًا غير مأمور به، لم يكن مشروعًا.
والهجر الشرعي نوعان:
أحدهما: المنكرات وهو نوعان:
الأول: هجر الإنسان نفسه عن المنكرات .
الثاني: هجر المقام بين من يفعل المنكرات، فلا يشهد المنكرات .
النوع الثاني من أنواع الهجر الشرعي: هجر من يظهر المنكرات حتى يتوب منها .
3-الحكمة من الهجر الشرعي:
الهجر شرع لحكمة ومصلحة ورحمة كسائر ما شرعه الله، فإن الله حكيم يفعل لحكمة، ويخلق لحكمة، ويشرع لحكمة، والحكمة من الهجر هي زجر المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، إذ المقصود به بيان الحق ورحمة الخلق.
4-بيان من يشرع معه الهجر من الناس ومن لا يشرع:
الهجر يشرع في حق العصاة والمذنبين، أما الكافر فلا يشرع في حقه الهجر، إذ أن عقوبته على كفره أعظم من الهجر، وليس الهجر مشروعًا في حق جميع العصاة والمذنبين من أهل الإسلام، بل يراعي المهاجر المصلحة الراحجة في الهجر أو الترك.
5-بيان نهاية وقت الهجر للمهجور:
القدر الذي ينبغي أن يهجر لأجله هو التوبة؛ لأن المقصود به زجر المهجور وتأديبه، فإذا تاب فقد حصلت الحكمة من الهجر، وهو الانزجار والتأديب، لكن ينبغي أن يعلم أن المعاصي متفاوتة في الحد والمقدار، فمنها الكبائر ومنها الصغائر، فيهجر العاصي على قدر ما ارتكبه من الذنوب، ولا يسوّى بين الذنوب في الهجر ويجعل ذلك بابًا واحدًا.
6-بيان هل يفرق بين الأحوال والأشخاص والأزمان في الهجر:
يفرق بين الأحوال والأشخاص والأزمان في الهجر بحسب المصلحة، كما تبين من الحكمة في الهجر، فزمان يهجر فيه، وزمان لا يهجر فيه ، فإذا كان الناس حدثاء عهد بجاهلية، فينبغي أن يراعى في حقهم الأصلح، من التأليف وترغيبهم في الإسلام، ودخولهم فيه وعدم تنفيرهم، ليعلموا أن هذه الملة المحمدية حنيفية في الدين، سمحة في العمل .
7-بيان هل يجتمع في الشخص الواحد سبب الموالاة وسبب المعاداة:
فيكون منه خير وشر، وبرّ وفجور، وطاعة ومعصية، فيحب من وجه ويبغض من وجه، وبيان الشخص الذي يحب جملة والذي يبغض جملة، والذي يحب من وجه ويبغض من وجه.
المسلم له على المسلم حقوق في الإسلام يجب مراعاتها، وقد يكون له من الذنوب والمعاصي ما يوجب بغضه ومعاداته عليها، فيجتمع فيه موجبا الإكرام و الإهانة، فيستحق من الموالاة والمحبة والثواب بقدر ما فيه من الخير، ويستحق من المعاداة والبغض والعقاب بحسب ما فيه من الشر.
الفصل الثاني
في درجات الإنكار
درجات إنكار المنكر ثلاث وهي:
1-الإنكار باليد.
2-الإنكار باللسان.
3-الإنكار بالقلب.
فيجب على من رأى منكرًا أن ينكره، وأن يغيره بحسب الاستطاعة والقدرة من هذه الدرجات الثلاث .
فالإنكار فرض باليد واللسان والقلب مع القدرة، فأما فرضه باليد واللسان فهو من فروض الكفايات، إذا قام به طائفة سقط عن الباقين من الناس، وإن تركوه كلهم أثموا، وأما القلب فلا يسقط عن المنكر بحال، إذ لا ضرر في فعله، ومن لم يفعله فليس بمؤمن.
الفصل الثالث
مرتبتا تغيير المنكر أو طريقا الدعوة إلى الله
للدعوة إلى الله طريقان طريق اللين، وطريق الغلظة والقسوة.
ولتغيير المنكر مرتبتان مرتبة اللين، ومرتبة الشدة.
الطريق الأول: طريق اللين
وهو الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وإيضاح الأدلة في أحسن أسلوب وألطفه .
الطريق الثاني: طريق الغلظة والشدة والقسوة
إذا لم ينفع اللين واللطف، ولم يُجدِ الوعظ والتذكير والرأي الراشد الحليم، فإنه يصار إلى الغلظة والشدة بالكلام الخشن أو الضرب، أو السيف في جهاد أعداء الله، فإن لم تنجح طرق اللين تعينت طريق القسوة بالسيف حتى يعبد الله وحده وتقام حدوده، وتمتثل أوامره وتجتنب نواهيه .
ولا بد لسلوك هذه الطريق في تغيير المنكر والدعوة إلى الله من الشروط التالية:
1-القدرة على ذلك، فإن كان لا يقدر على الشدة سقط عنه وسلك طريق اللين.
2-أن لا يترتب عليه مفسدة.
3-أن لا يفيد اللين ولا يجدي شيئا في حصول المعروف وزوال المنكر.
الباب الثالث
في الأحوال التي يسقط فيها وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الحال الأولى: عدم القبول والانتفاع به .