الصفحة 1325 من 3812

يشترط في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مظنة النفع به فإن جزم بعدم الفائدة فيه لم يجب عليه، كما إذا وجدت هذه الصفات: الشحّ المطاع، والهوى المتبع، وإيثار الدنيا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه , وهذه الأمور تكون عند فساد الزمان ، وكثرة الفتن والحروب، وظهور التغيير والتبديل في الدين، وانتشار شرّ المنافقين، وفقد المعين والمناصر.

فإذا عدمت فائدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سقط وجوبه .

الحال الثانية: أن يترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حصول مفسدة أعظم من ذلك المنكر

يشترط في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن لا يؤدي إلى مفسدة أعظم من ذلك المنكر، فإن كان إنكار المنكر يستلزم حصول منكر أعظم من ذلك المنكر، فإنه يسقط وجوب الإنكار، بل لا يسوغ الإنكار والحال هذه؛ لما يأتي:

1-إجماع المسلمين على ارتكاب أخف الضررين.

2-أن الشريعة الباهرة مبناها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، وبناء على ذلك، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة.

فالذي يترتب على تغيير المنكر وإنكاره واحد من أمور أربعة:

1-أن يزول ويخلفه ضده من المعروف وهذا مشروع.

2-أن يقلّ المنكر ويخفّ وإن لم يزل بجملته، وهذا مشروع أيضًا.

3-أن يزول ويخلفه ما هو شر منه، وهذا محرم.

4-أن يزول ويخلفه ما هو مثله من المنكر، وهذا موضع اجتهاد من المنكِر والناهي.

الحال الثالثة: عدم القدرة أو خوف الضرر .

يشترط في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون قادرًا وأن لا يخشى ضررًا على نفسه أو ماله أو أهله أو على المسلمين فإن عجز أو خاف الضرر، سقط عنه الوجوب وبقي الاستحباب.

الخاتمة

1-خطر المداهنة في دين الله:

يرى كثير من الناس أن العقل إرضاء الناس جميعهم، وعدم مخالفتهم في أغراضهم وشهواتهم، واستجلاب مودتهم، بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , ويقول قائلهم: أصلح نفسك بالدخول مع الناس وموافقتهم، ولا تبغض نفسك عندهم، وهذا المسلك خط كثير من الناس، وهذا عقل نفاقي شيطاني، وهو عين الهلاك وثمرة والنفاق، وبيان ذلك من وجوه:

أحدها: أن المداهن ترك واجبًا عظيمًا من واجبات الإسلام

وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأجل الناس .

الثاني: أن المداهن قد التمس رضا الناس بسخط الله , و قدم رضا الناس على رضا الله.

الثالث: أن المداهن قد تسبب في غضب الله عليه ولعنته .

الرابع: أن المداهن لا بد أن يفتح الله له بابًا من الذل والهوان

لأنه طلب العزّ بمداهنته، فكما هان عليه أمر الله أهانه الله وأذله .

الخامس: أن المداهن تعمه العقوبة إذا نزلت .

السادس: أن المداهن الطالب رضا الخلق أخبث حالا من الزاني والسارق وشارب الخمر .

2-الفرق بين المداراة والمداهنة:

المداهنة: هي ترك ما يجب لله من الغيرة والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لغرض دنيوي وهو نفساني، والاستئناس بأهل المعاصي ومعاشرتهم، ومؤاكلتهم ومشاربتهم ومجالستهم، وعدم الإنكار عليهم مع القدرة على الإنكار؛ استجلابًا لمودتهم ومحبتهم، وإرضاءً لهم، ومسالمة لهم وعدم التمييز بين طبقاتهم، لأنهم رأوا أن السلوك مع الناس، وحسن الخلق ونيل المعيشة، لا يحصل إلا بذلك.

حكم المداهنة: المداهنة مخالفة للرسل وأتباعهم، وخروج عن سبيلهم ومنهاجهم، إذ هي إيثار للحظوظ النفسانية والدعة ومسالمة الناس، وترك المعاداة في الله، وتحمل الأذى في ذاته، وهذا في الحقيقة هو الهلكة؛ لأنه ما ذاق طعم الإيمان من لم يوالِ في الله ويعادي فيه، بل الإيمان يحصل بمراغمة أعداء الله وإيثار مرضاته، والغضب إذا انتهكت محارمه، وأي خير يبقى في قلب فقد الحياة والغَيْرة والتعظيم، وعدم الغضب لله؟! وسوَّى بين الخبيث والطيب في معاملته وموالاته ومعاداته؟!

المداراة: هي درء الشر المفسد بالقول اللين وترك الغلظة، والإعراض عن الشرير إذا خيف شره، أو حصل منه ضرر أكبر مما هو متلبس به.

حكم المداراة: المداراة مشروعة؛ لأنها دفع للشر وردّ له، أو تخفيف له، ولأن في استعمالها بعدًا عن الفحش والتفحش، ولأنها من باب ارتكاب أخف الضررين، وأدنى المفسدتين، وفعل أعلى المصلحتين .

3-الحكمة في مشروعية إنكار المنكر والأمر بالمعروف:

للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حِكَم منها:

1-إقامة حجة الله على خلقه .

2-خروج الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من عهدة التكليف والمسئولية .

3-رجاء انتفاع المأمور والمنهي بتقوى الله تعالى باجتناب المنهيات وفعل المأمورات .

4-المفاسد المترتبة على ترك إنكار المنكر:

يترتب على ترك إنكار المنكر مفاسد عظيمة منها:

1-أن السكوت عن المنكر مع القدرة يعتبر معصية، وإن لم يباشر الساكت فعل المنكر الذي سكت عليه، فإنه كما يجب اجتناب المعصية، يجب الإنكار على من فعل المعصية، فهما واجبان من ترك أحدهما فقد عصى ربه.

2-أن السكوت عن المنكر يدل على التهاون بالمعاصي وقلة الاكتراث بها، والتهاون بأمر الله.

3-أن في السكوت عن المنكر فقد الغيرة والغضب لمحارم الله أو ضعفها وضعف تعظيم الرب تعالى.

4-أن السكوت عن المنكر يجرئ العصاة والفسقة على الإكثار من المعاصي، حيث لم يردعوا عنها حتى تكون لهم الشوكة والظهور، ويضعف أهل الخير عن مقاومة أهل الشرّ، فيزداد بذلك الشرّ وتعظم المصيبة الدينية والدنيوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت