فهرس الكتاب
لقد أسهم التطور الهائل في وسائل الاتصال في كسر الحواجز بين المجتمعات ، وتذويب الفوارق بين الأمم، فما يقال في الشرق يتردد صداه في الغرب، وما يعرض هناك يُشاهد هنا، فماذا سيفعل المصلحون ؟
هل سيعيشون العصر بعقلية ما قبل التاريخ ؟ أم سيعيشون اليأس والإحباط ؟
إن عصرنا اليوم عصر القوة؛ ولذا لا مكان فيه للضعفاء واليائسين والمحبطين والجاهلين.
إن ضخامة متطلبات التغيير لن تواجه ببذل المزيد من الجهد البدني فحسب ولا بزيادة رصيدنا فيمن يتحدثون ويخطبون، إنما تواجه بعقول تعيش تحديات عصرها فلم ينجح في زحمة هذا العصر ومتغيراته إلا من يملك الروح الإيجابية المنتجة، والقطار لن ينتظر الذين يسيرون ببطء ويتطلَّعون أن يُفتح لهم الطريق، وبقدر ما تتسارع المتغيرات وتتعقد عناصر الحياة تزداد الفرص، فالحياة أوسع من أن يتحكم بها ثلة من البشر، فلم يعد الميدان ملكًا لأحد من البشر يضع الخطوط والحدود للناس فيما يأتون ويذرون.
والمصلح الإيجابي هو من يسعى لانتهاز الفرص حين تتاح أمامه، وله أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان هذا شأنه.
كان النبي صلى الله عليه وسلم مرة في غزاة، فأقبلت امرأة قد امتلأ ثديها، كانت تتلقف الصبيان ترضعهم، فوجدت صبيها فألزمته صدرها وألقمته ثديها ترضعه.
وفي هذا الموقف الذي يثير المشاعر يعلّم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه: ( أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه، قال: لله أرحم بعبده من هذه بولدها ) ، وكان مع أحد أصحابه وحده، فاغتنمها فرصة معلّمًا وواعظًا، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: ( بينا أنا رديف النبي صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل، فقال: يا معاذ، فقلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة وقال: يا معاذ، فقلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة وقال: يا معاذ، فقلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: هل تدري ما حق الله على عباده ؟، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، ثم سار ساعة وقال: يا معاذ بن جبل، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق العباد على الله أن لا يعذبهم ) .
وحين كان مع أصحابه في جنازة اغتنمها فرصة ليحدثهم عمّا يجري للإنسان بعد موته ، عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر، ولمّا يلحد، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله، وكأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكث في الأرض فرفع رأسه وقال: ( استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا، ثم قال: إنّ العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة ) إلخ الحديث.
إن الذين يثمّنون الفرص لا يقفون عند اغتنامها حين تتاح، بل يبادرون إدراكاّ منهم بأن الفرص لا تدوم، وهذا ما كان في وصية النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: ( اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك ) ، وهاهو يوسف عليه السلام حين عبَّر رؤيا السلطان بأنهم أمام سبع سنين رخاء وسبع سنين من الشدة، أمرهم أن يغتنموا فرصة الرخاء ليدخروا لسني الجفاف.
والمصلح الإيجابي يتجاوز الأمر من اغتنام الفرص المتاحة له إلى البحث عنها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتنم فرصة اجتماع قومه لدعوتهم ويبحث عن فرص أخرى ليدعو غيرهم، ففي مكة أقام ثلاث سنين من أول نبوته مستخفيًا ثم أعلن في الرابعة، فدعاهم للإسلام عشر سنين يوافي المواسم كل عام، يتبع الحاج في منازلهم، وفي المواسم بعكاظ وذي جنّة وذي المجاز يدعوهم أن يمنعوه حتى يبلغ رسالة ربه ولهم الجنة فلا يجد الناصر ولا المجيب.
حتى أنه ليسأل عن القبائل قبيلة قبيلة، ويرحل إليهم يدعوهم إلى الإسلام، وأبو لهب وراءه يسفّه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكذّبه، فترد القبائل بأقبح الرد والأذى.
ويرحل صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يعرض نفسه عليهم لعل الله أن يفتح قلوبهم للهداية، فيعود مهمومًا إلى مكة، فهو صلى الله عليه وسلم حين لم يجد فرصة سانحة أمامه، سعى ليوجد فرصة، ولن تعجز عقول المصلحين عن تهيئة الفرص وإيجادها، فهاهم صناع السلاح والمتاجرين به حين تكسد سوقه يفتعلون المعارك والخطوب، ويؤججون نارها ليروجوا بضاعتهم، وهاهم أصحاب رؤوس الأموال يغرقون الناس بالدعاية لبضائعهم حتى يُوجدوا الفرص لتسويقها، والمؤسسات الاقتصادية اليوم تنفق الملايين على من يفكر بخطط تنهض بها وتطورها.
والذين يسعون لبناء المجتمعات أولى من الذين يسعون للتجارة المادية، والمصلحون الإيجابيون لا يقف جهدهم عند ذلك فحسب بل يبحثون في المواقف السيئة وبين الصور المظلمة عن النور والضياء .
إنهم عند المحن والنكبات وحين يتشاءم الناس مما أمامهم يلتمسون الصور المشرقة ويبحثوا عن الثغرات لاستثمار الواقع الجديد، فحين يقع الولد في معصية يستثمرها الوالد العاقل منطلقًا لنصحه وإرشاده .
ومهما كانت الأحوال سيئة ومظلمة، فالأوضاع الجديدة تحمل في طياتها العديد من الفرص التي يمكن أن يستثمرها العقلاء، ولو لم يكن فيها إلا أن الفرج مع الكرب، والنصر مع الشدة واليسر مع العسر.