فهرس الكتاب
إن الروح الإيجابية التي تسعى للإنتاج والانجاز وتبحث عن فرص النجاح وتصنعها لا يمكن أن تعطي تلقينًا ولا يمكن أن تصنع لدى الجيل روحًا طموحة بمجرد أن تملي عليه؛ ولذا فعلى المصلحين اليوم إيجاد جيل الإيجابية والفاعلية، ولن يتحقق ذلك إذا كانت لغة التشاؤم هي السائدة في سوق الوعظ والخطابة، ولا حين تكون مجالس الصالحين الغيورين تنضح بذكر أبواب الفساد والعوائق.
لقد ملّ الناس الحديث عن الواقع المظلم، وهم اليوم بحاجة لمن يفتح أمامهم أبواب الأمل، ويربيهم على الإيجابية والتفاؤل، وعلى العمل والإنتاج بدلًا من تكرار الحديث، هم بحاجة إلى أن تربى عقولهم على التفكير، وأفئدتهم على الفقه والوعي، هم بحاجة إلى أن يحملوا روح التجديد والابتكار.
إن الصوت الأبلغ والأكثر تأثيرًا هو القادر على استثمار الفرص بفتح الأبواب التي تبدو للآخرين مغلقة .
إن من مسؤوليتنا أن نبلّغ الدين للناس، وأن نسعى جاهدين لإصلاح واقع الناس، وأن نبحث ونوجد الفرص ونغتنمها إن أتيحت، وأن نهيء لأنفسنا تلك الأبواب التي تبدو مغلقة.
هاهم الأعداء يراهنون على وسائل هامة من وسائل الاتصال والتقنية ، ولو كانت الأمة جادة لاستطاعت توظيف هذه التقنيات والوسائل ولانقلب السحر على الساحر ، فهذا جزء من واجبنا وجزء من تقوى الله تعالى:"فاتقوا الله ما استطعتم"،"لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها"، ومن تأمل منهج الأنبياء وسيرهم رأى كيف كان جهدهم وهمتهم وسعيهم لدعوة قومهم .
أسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من عباده المؤمنين، ومن أوليائه المتقين، إنه سميع مجيب.
الخطاب الدعوى ومآسي المسلمين
د.مهدي قاضي
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وبعد...فإن هذا الكتاب يحوي مقالين كتبا في فترتين سابقتين, أذكر بها نفسي المقصرة وإخواني, سائلًا الله أن يكتب بهما النفع, فما أصبت فيه ووفقت فمن الله وبفضله, وما أخطأت فيه فمن نفسي والشيطان.
المقال الأول يعرض -على شكل نقاط- عددًا من الإشكالات التي لوحظت في العديد من الخطابات الدعوية التي حدثت تفاعلًا مع مآسي أمتنا ( وتخبطاتها ) الكثيرة المتنوعة المتكررة في عصرنا الحالي الذي نعيشه, والمقال الثاني يُذَكِّر ببعض الواجبات والمستوى الذي يؤمل أن يكون عليه الدعاة إلى الله خاصة في وقتنا هذا الذي كثرت فيها آلامنا واستبيحت دماؤنا وأذللنا أيما إذلال.
وقد ذيل المقالان بهوامش بها نقاط تذكيرية هامة أتمنى الالتفات لها, خاصة هوامش المقال الثاني والتي منذ سنوات وأنا أتمنى نشرها في كتيب مستقل وأتت الآن فرصة لأضعها باختصار في هذه الهوامش, فأسال الله أن ينفع بها , وأتقدم بالشكر والدعاء لكل من أعانني في إخراج هذا الكتيب وتنقيحه.
اللهم عجل بفضلك وكرمك هداية أمتنا, وأعنا على أداء واجباتنا, وارزقنا الإخلاص وصدق محبتك, واكتب لنا يا عظيم النصر على الأعداء, وأفرحنا بكرمك بنيل رضاك, وبدخول فردوسك, وبلذة النظر إلى وجهك الكريم يوم لقاك.
هذه الكلمات في الفقرات التالية موجهةٌ لروح الأمة, وحاملي همها من الدعاة والمصلحين, وأصحاب الأقلام الطيبة, وإن كان الأصل أن كل الأمة تكون كذلك, فالدعوة إلى الله مسؤولية الجميع.
أولا: إشكالات في الخطاب:
1-إن العديد من الخطباء والمحاضرين والكتاب والشعراء في وقتنا الحاضر وبالذات في مآسينا ( وأيضًا تخبطاتنا ) الأخيرة الرهيبة, لا يقومون في خطبهم ودعائهم وتوجيهاتهم - عند الحديث عن هذه المآسي - بتذكير المسلمين بواجب العودة إلى الله, وواجب كل مسلم في تحقيقها بالشكل الواضح والكافي, والمؤثر الحار, الذي يوصل هذه الحقيقة إلى كل المسلمين , مبينًا لهم بوضوح أن هذا هو الحل , ومشعرًا لهم بأن مسؤولية تحقيقه تقع على كل فرد مسلم , مع أن هذا هو الحل الحقيقي الجذري .
قال تعالى: ( إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ) ..الآية (محمد:7) .
ورأينا البعض يتكلم ويكتب عن مآسي ومذابح الأمة بنظرة سمتها التركيز على الحلول الجزئية بما فيها الإكثار من نقد التوجه العالمي, والتحدث عن الأسباب السياسية والمادية أكثر من النظر للخلفيات الشرعية المتعلقة بهذه الأحداث.
ومن المعروف على مدى العصور أن أمتنا كانت ذات شأن في القوة بل وفي التقدم المادي عندما كانت مطبقة لدينها, وأن بداية تأخرها وضعفها وذهاب عزها تحصل عندما تنحرف عن دينها وشريعة ربها, لذا فالتخلف التقني والعسكري والتفرق في الأمة الإسلامية لاشك أنه من أسباب ضعفها ( ويجب على الأمة أن تجتهد في تقويته ) ولكنه متعلق وناتج بالدرجة الأولى من ُبعدها عن الله و حقيقة منهج الإسلام.
و الأمة الإسلامية إذا صدقت في العودة إلى الله والاستقامة على شرعه ثم جاهدت أعداءها - في الوقت والظرف المناسبين- فهي منصورة بإذن الله ولو لم تصل في العدة والعتاد والاستعداد إلى مثل مستوى أعدائها, فقط هي مطالبة بأن تعد ما تستطيعه من القوة وقتئذٍ , وتاريخنا الإسلامي شاهد على انتصارات المسلمين الكثيرة على أعداء لهم فاقوهم كثيرا في استعداداتهم المادية .