الصفحة 1340 من 3812

إن تسهيل طريق الخير أمام الناس، وإزالة العوائق الموهومة، وتأليف قلوبهم، وإشعارهم بمحبة الخير لهم، وأن الداعي بعيدٌ في دعوته لهم عن المصالح الشخصية أمرٌ مهم جدًا، قال الله عز وجل: ( وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ) الشعراء:109، وعليه أن يفعل الأسباب المفضية والمؤدية إلى هداية الناس، ودلالتهم، ويقوم بالواجب بغير يأس ولا قنوط، فقد قام نوح بواجب الدعوة ألف سنةٍ إلا خمسين عامًا، وما آمن معه إلا قليل، لكن ذلك لم يثنه عن الدعوة إلى الله تعالى.

أيها المسلمون: إننا شهداء الله في الأرض، يجب أن نقوم بالحق، وقد قال الله تعالى -أيضًا- مبينًا المسؤولية التي ينبغي على الدعاة إلى الله أن يقوموا بها، ولا يجعلوا لها فضول الأوقات، وإنما تكون لها الأوقات كلها، قال الله تعالى: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) مريم:12، أي: أن أخذ الكتاب يحتاج إلى مسؤولية وشدة عزيمة وقوة شكيمة, ولا يطيق ذلك إلا من اختاره الله تعالى لأداء هذه المهمة.

أيها المسلمون: إن كثيرًا من الناس لا يأخذون الكتاب أصلًا، وأعداد يأخذون بعض ما في الكتاب ويكفرون ببعض، وبعضهم يأخذه على ضعفٍ وتراخٍ، والله يقول: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ) الأعراف:171، فالمسألة تحتاج إلى تصميم وعزيمة، والمسألة تحتاج إلى حسن توجه وإلى نيةٍ خالصة حتى تحصل النتيجة.

أساليب الدعوة إلى الله عند الأنبياء:

عباد الله: إن ربنا تعالى ذكر لنا في كتابه الكريم بعضا من الأساليب المتنوعة في دعوة الأقرباء والبعداء، ودعوة الأقوام عمومًا، ولنأخذ بعض الأمثلة على دعوة الأقرباء:

يقول الله تعالى: ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ) مريم: 41- 45

تأمل يا عبد الله! كيف ترّقى وتوخى إبراهيم عليه السلام مسالك الدعوة والحكمة فيها والرفق واللين، والبعد عن التفضل والمنة والازدراء والتحقير والشدة والغِلظة، وإنما عمد إلى التملق والتزلف؛ لكي يحاول التسلل إلى قلب خاوٍ، إنه قلب أبيه المشرك، قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- معلقًا على هذه الآيات العظيمة: ابتدأ إبراهيم خطابه بذكر أبوته -أبوة أبيه- الدالة على توقيره - بدون كلمة توقير تستهل بها الخطاب أو كلمة احترام تنشئ بها الكلام وتستهله قد لا يفتح لك مطلقًا- ولم يسمه باسمه، ولم يقل: يا آزر، وإنما قال: (يا أبتِ) ، ثم أخرج الكلام مخرج السؤال، فقال: ( لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا) ، ولم يعمد إلى أسلوب الأمر المباشر والنهي المباشر، فيقول مثلًا: لا تعبد الشيطان، أو لا تعبد ما لا يسمع، وإنما قال: (لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئا) ً، ثم قال: ( يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ) فلم يقل له: إنك جاهل لا علم عندك؛ بل عدل عن هذه العبارة إلى ألطف عبارة تدل على المعنى، فقال: (جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ) ثم قال: فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيّا مثلما قال موسى لفرعون: (وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ) النازعات:19، ثم قال إبراهيم عليه السلام: (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا) فنسب الخوف إلى نفسه دون أبيه مثلما يفعل الشفيق الخائف على من يشفق عليه، وقال:"يمسك"والمَس ألطف من غيره، ولم يقل: ينزل بك، أو يخسف بك، وإنما قال: يمسك، ثم نكَّر العذاب، فقال: عَذَابٌ ولم يقل: العذاب، ثم ذكر الرَّحْمَنِ ولم يقل الجبار ولا القهار تأليفًا له، واستجلابًا للإيمان بهذا الرحمن، واستشعارًا لرحمته، فأي خطاب ألين وألطف من هذا.

ومع ذلك كله كان الرد قاسيًا شديدًا: ( لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) مريم-46 ومع ذلك يجيء جواب إبراهيم جوابًا تلين له الحجارة؛ لأنه لم يكن يدعو لحظ نفسه حتى يثور، ولم يكن يدعو لأجل أن يقابل بالإيجاب؛ ولذلك لم يثأر ولم ينتقم؛ بل قال: (سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) مريم - 47.

مراتب الدعوة إلى الله:

ثم إن الله ذكر في كتابه مراتب الدعوة، فقال عز وجل: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ ) النحل:125، وهذا أمر يقتضي الوجوب: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) النحل:125، فمن الناس من هو جاهل يحتاج إلى تعليم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت