فهرس الكتاب
والحكمة: هي القرآن والسنة، فنعلمه ما يجهل، ونبين له حكم الله تعالى، ونبين له ما في القرآن والسنة، ومن الناس من ربما يكون عنده علم لكن فيه غفلة وقسوة قلب فيحتاج إلى تليين، والتليين يكون بالوعظ؛ ولذلك ينتقل الداعية إلى المرحلة الثانية وهي الموعظة الحسنة، فإن بعض الناس يحتاجون إلى موعظة للهداية، وبعضهم يحتاجون إلى تعليم للهداية، فهذه سبيل أخرى ذكرها الله تعالى آمرًا نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم من يحتاج إلى تعليم، وأن يذكر من يحتاج إلى تذكير، وأن يجادل من عنده شبهة أو هوى بالتي هي أحسن.
هذه المراتب العظيمة من تأملها وطبقها على الناس، عرف أن الله ذكر الدواء الناجع لكل نوع من أنواع المدعوين، النوع الذي يجهل ويقبل التعليم ولو عُلِّم لتُبع، والنوع الذي عنده غفلة وتأخر فيدعى بالموعظة الحسنة، وهو الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب وهما من أعظم أنواع الوعظ، ثم هناك معاند جاحد يجادل بالتي هي أحسن؛ بالبرهان والحجة واللسان القويم، وربما يكون عند بعض الناس خلفيات ثقافية، أو معلومات مسبقة خاطئة، فيحتاجون إلى محاورة، ومجادلة لكشف زيف ما يعتقدونه، والرد على الشبهات التي يأتون بها.
وقد حاور النبي صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران لما جاؤوه، ونزلت سورة آل عمران محاورة ومجادلة لأهل الكتاب، ولوفدهم الذين جاؤوا من نجران، وحاور النبي صلى الله عليه وسلم عدي بن حاتم وقد كان من زعماء النصارى، فحاوره بما هو موجود عنده في الكتاب، وبما يعلمه من دينه، وحاوره بأشياء، وأوقفه على أمور عجيبة، وسأل صلى الله عليه وسلم عمران فقال: (كم إلهًا تعبد؟ قال: ستة في الأرض وواحد في السماء) ، فسأله عن الإله الذي يعده للرغبة والرهبة، وعند نزول الملمات، وفي الأحوال الخطيرة وأي واحد هو من هذه الآلهة السبعة؟ فكانت نتيجة المحاورة أنه اعترف وقال: (إنه الذي في السماء) إذًا هو أولى بالعبادة.
كما حاور عليه الصلاة والسلام أشخاصًا كثيرين، ولم يتوانَ صلى الله عليه وسلم في بذل أساليب الدعوة، سواء كان بالكلام، أو بالقدوة والفعال، كما ربط الأسير في المسجد ليسمع كلام الله وينظر أفعال المسلمين، وكيف يعيش المجتمع الإسلامي، وأرسل الرسائل إلى عظماء الأرض يدعوهم إلى الله.
أيها المسلمون حري بنا أن نتبع الأساليب الناجعة في الدعوة إلى الله، وألا نيأس من هداية الخلق، وأن نقوم بهذا الواجب الذي فرطنا فيه، فكم يوجد بيننا ممن لا يعلم شيئًا عن الإسلام؟! وربما يوجد بين المسلمين من أبناء المسلمين من يجهل الدين بالكلية، ويوجد من ذهب إلى الكفار، ورجع وهو مغسول الدماغ، فيوجد من هو مرتد يحتاج إلى دعوة، ويوجد من المسلمين جهلة بالإسلام، وخصوصًا العمالة الموجودة من بلادٍ إسلامية، ما علمناهم شيئًا أبدًا، فانتهت عقودهم ومدة خدمتهم، ورجعوا إلى بلادهم ولم يستفيدوا شيئًا البتة، ويوجد كفار أصليون وغافلون من المسلمين يحتاجون إلى دعوة، وكل واحد من هؤلاء يحتاج إلى نوع خاص من الأساليب والوسائل.
فهلاَّ تحركت الغيرة في قلوبنا، والقيام بالمسؤولية، والخوف من السؤال يوم القيامة، والرغبة في الأجر، فإنك لا تدعو إلى خير إلاَّ وتؤجر عليه، وإذا عمل العامل بما نصحته فلك مثل أجره، ولئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من الدنيا وما عليها.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا بدينه مستمسكين، ولسبيله من السالكين، ولهذا الإسلام من الحاملين والدعاة المناصرين، ونسأله تعالى أن يحيينا على الإسلام، وأن يميتنا على الإيمان، وأن يتقبلنا في عباده الصالحين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الوسائل الدعوية
للشيخ: أحمد بن عبد العزيز الحمدان
مقدمة في الوسائل الدعوية
هذا بحث موجز أعددته لنفسي ولمن أراد الانتفاع به من إخواني وأخواتي الدّعاة، جمعته
من الكتاب والسنة وقد جعلته في العناصر التالية:
أولًا: مدخل إلى الوسائل:
من سنَّةِ الله تعالى أنَّ المقاصدَ لا تحصلُ إلاَّ بالوسائل، لذلك أمَرَ تعالى عباده بمباشرةِ الوسائلِ واتِّخاذِ الأسبابِ الموصلةِ إلى مقاصدها.
وقد استقرَّ هذا الأمرُ في الفطر، وَرَسَخَ في العقول ، فأصبح من لا يباشرُ الأسبابَ الموصلةَ إلى مراداتِه يُنسبُ إلى ضروبِ العبثِ وَقِلَّةِ الإدراك، كما قال الشاعر:
ترجو النَّجاةَ ولم تسلكْ مسالكها .. إنَّ السفينةَ لا تجري على اليبسِ
وعلينا أن نعلم أنَّ جميعَ ما في الكونِ من أشياء لا تنفكُّ عن ثلاثةِ أمور:
1-مقاصد؛ وهي الأمور التي يُهْدَفُ إليها من وراء الأفعال.
2-ووسائل؛ وهي الأمور التي يُتَوَصَّلُ بها إلى المقاصد.
3-وتوابع؛ وهي الوسائل التابعة للمقاصد المتممة لها.
مثالُ ذلك: الجهادُ في سبيلِ اللهِ تعالى مقصدٌ شرعيّ، تقرر ذلك في الكتاب والسنة والإجماع، والخروجُ إليه وسيلة إلى تحقيقه، والقفولُ منه فعلٌ متممٌ، أو زائدٌ، أو تابع له.
وهكذا نجدُ أنَّ الحاجةَ إلى الوسائلِ تستلزمُ معرفةَ أصولِها وأحكامِها الفقهيَّة، وأشدُّ النَّاسِ حاجةً إلى معرفةِ هذه الأصولِ والأحكامِ العلماءُ والدُّعاة، لأنَّهم بحاجةٍ إلى معرفةِ ما يُوْصِلُ إلى المقاصدِ الشرعيَّةِ التي يعملون من أجل بيانها للنَّاسِ وتسهيلِ الوصولِ إليها، مجتنبين ما يمكن أن يكون سببًا لارتكابِ محرم .
ثانيًا: تعريف الوسائل:
في اللغة: