فهرس الكتاب
1-أن يعلم أنّ سبيلَ أهلِ الورعِ الترفعِ عن الشبهات .
2-إنْ كانت هذه الوسيلةُ -الْمُخْتَلَفُ فيها- يراها مباحةً، وهناك من الوسائل غيرُ الْمُخْتَلَفِ فيها يمكن أن تؤدي الغرض، فليبتعد عن الوسيلة المختلف فيها، وليأت المتفق عليها.
3-عليه أن يعلم أنّه إن رأى وسيلة من الوسائل محرمة رآها غيره مباحة، لا بالتشهي، ولكن بناء على اجتهاد معتبر من العالم، فإنّه لا يثرب على من رأى الإباحة؛ لأنّ كلا القولين بُني على اجتهاد معتبر، كما لو رآها مباحةً ورآها غيرُه محرمة، فإنّه لا يثرب عليه، أمّا إن كان من أهل العلم والذي يرى الإباحة كذلك فلا مانع من مناقشة رأي غيره للتوصل إلى اتفاق، وإلا ففي الأمر سعة.
نموذج تطبيقي على وسيلةٍ دعويَّةٍ مختلَفٍ فيها:
* التمثيلُ لغةً: المحاكاة، يقال: حكيتُ، وأحكيه حكايةً، إذا أتيتَ بمثلِهِ على الصفةِ التي أتى بها غيرُكَ فَأنتَ كالناقلِ عنه.
* التمثيل اصطلاحًا: أفعالٌ وأقوالٌ مصطنعة تصدرُ من شخصٍ بقصد التأثيرِ على المستمعين والمشاهدين.
* أصل التمثيل: ابتداعٌ تعبديٌّ عند الرومانِ واليونانِ والفرس، ثم النَّصارى، ثم توسعت فيه المدنيةُ الغربيَّةُ حتَّى أصبح بعضُه ديني وبعضُه دنيوي.
وفي القرن الماضي تسرَّب التمثيلُ إلى بلادِ المسلمين عن طريقِ رجلٍ نصرانيٍّ يُدعى مارون النَّقَّاش، واعترض على بدعتِه هذه علماءُ الشام، وشكوه إلى الأستانة، فجاء الأمرُ بمنعه، وبعد أربع سنين انتقل إلى مصر ومعه فرقتُه واشتُهر هناك وذاع صيته وتوسع في عمله.
ثم استُخدم التمثيل من قِبَلِ بعضِ الجماعاتِ الإسلاميَّةِ على أنَّه وسيلةٌ دعويَّةٌ تزاحم التمثيلَ الدنيويّ الذي أقبل النَّاسُ على مشاهدتِهِ، وظهر تأثرُهم به.
والتمثيلُ - الآنَ- فنٌّ من الفنون المعاصرة ؛ له أصولُه وقواعده، ومدارسُه ونواديه، ونجومُه والمشاهدون له، ووسائلُ بثّه المتنوعة.
فما حكم استخدام التمثيلُ كوسيلة من الوسائل الدَّعويَّةِ ؟
1-من قائلٍ إنَّ أصله الإباحة في العادات ، والحكم عليه بحسب موضوعه وما يحفّه من محرمات.
2-بأنَّ التمثيلَ حرامٌ أصلًا في العاداتِ وفي العبادات.
أدلة المجيزين للتمثيل:
1-البراءةُ الأصليَّة: وهو أنَّ الأصل في الأشياءِ الإباحة، ولا يوجد دليلٌ صحيحٌ صريحٌ في تحريمِ التمثيل .
2-وسائل الدَّعوة غيرُ توقيفيَّة: والتمثيلُ منها، فلا وجه لمطالبتنا بدليل على جواز استعمالها في الدَّعوة إلى الله .
3-القياس: وذلك أنَّ هناك أحداثًا كثيرةً في الكتابِ والسنَّة تدلّ على تعاطي التمثيل وعدم الإنكار على متعاطيه.
ثمَّ حكموا على كلِّ قصةٍ فيها توريةٌ، أو تعريضٌ، أو تعليمٌ، أو روايةٌ لأمرٍ على أنَّها تمثيليَّة.
ومن ذلك:
أولًا: ظهور جبريل عليه السلام في صورةِ أعرابيٍّ، أو صورةِ دِحيةَ الكلبيِّ رضي الله عنه وهذا تمثيل لدور دحية، ودور الأعرابيّ.
ثانيًا: مناظرةِ إبراهيم عليه السلام لقومه حيث أظهر لهم عدم معرفته لربِّه، فلعله يكون الكوكب، أو القمر، أو الشمس، وهذا تمثيل !
ثالثًا: تكسيرُه عليه السلام الأصنام، وإسناده التكسيرَ إلى كبيرِهم، فقال [ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيْرُهُمْ هَذَا ] فهذا تمثيل !
رابعًا: ضربُ الأمثال: وهذا كثيرٌ في الكتابِ والسنَّة ، والتمثيلُ شبيه به.
أدلة المحرمين للتمثيل:
1-التمثيل كذب:
وذلك أنَّه لا يخلو من حالتين:
-الأولى: أن تكون قصةُ التمثيليَّةِ أسطورةً مختلقةً لا حقيقةَ لها .
-الثانية: أن تكون قصةُ التمثيليّةِ حقيقةً وقعت في سالف الدهر، والممثلون يتقمصون شخصياتِ هذه القصةَ ويخرجون على النَّاسِ على أنَّهم أصحابُ تلك القصة .
* وفي كلا الحالتين يكون التمثيلُ كذبًا.
أمَّا في الحالةِ الأولى: وهي أن تكون قصةُ التمثيليَّةِ أسطورةً مختلقةً لا حقيقةَ لها، فهي كذب والكذب محرم، فالقصةُ مختلقة، والممثلون ينسبون أنفسهم وأفعالَهم وصفاتِهم لغيرِهم، إضافةً إلى ما يخلطون به تمثيلَهم من أيمانٍ ومواثيق ووعود، وغيرِ ذلك من أمورٍ غيرِ صحيحة.
2-التمثيل بدعة: حيث أنَّ منشأ هذه التمثيليات بدعٌ وطقوسٌ نصرانيَّةٌ يحاكون فيها عيسى عليه السلام وما وقع له مع يهود ، لذلك كان فاعلها وارثًا عنهم بدعتَهم، ومقتبسًا من طقوسِهم وشعائِرِهم.
3-التمثيل تشبه بالكفّار: لأنّ هذه البدعةَ جاءت من عندهم ، والتمثيل لم يُعرف إلاّ عن طريق الكفَّار، وقد نهينا عن التشبّه بهم، والنَّهي عن التشبّه بهم أمرٌ بمخالفتِهم، وقد نهى الله تعالى عن الخوض فيما يخوض فيه الكفَّار .
وهذا يقتضي البراءة منهم في جميعِ أشيائهم، ومن كان متابعًا لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حقيقةً كان لازمًا عليه أن يتبرأ منهم كتبرئه منهم، ومن كان موافقًا لهم كان مخالفًا لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقدر موافقته لهم.
وقد ثبت أنَّ التمثيلَ كان عبادةً من عباداتِهم والآن هو من عباداتِهم وعاداتِهم، فعلى المسلم مجانبةُ مشابهتِهم والحرصُ على مخالفتِهم ، وقد وقع الإجماع على تحريم مشابهةِ أعداءِ الملّةِ والدين.
4-التمثيل من اللهو الباطل المذموم شرعًا وعقلًا .
5-منافاةُ التمثيلِ للمروءة:
والمروءةُ: الحفاظُ على مكارم الأخلاقِ والأفعالِ التي يحبّها اللهُ ويرعاها المسلمون ذووا الاستقامة، والبعدُ عن سفاسفِ الأخلاقِ والأفعَالِ التي لا يرضاها اللهُ والمسلمون ذووا الاستقامة.