فهرس الكتاب
بأن يكون تدين المرء تدينًا صحيحًا مبنيًَّا على الصدق مع الله عز و جل، لا على النفاق والكذب و المجاملة، و لذلك يطلق الصدق في القرآن الكريم في مقابل النفاق:"ليجزي الله الصادقين بصدقهم و يعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم" (سورة الأحزاب / الآية 24 ) .
فلا بد من الإسلام الظاهر مع الإيمان الباطن، من حسن الاعتقاد بالله و اليوم الآخر و الملائكة و الكتاب و النبيين .
و هنا كمين من كمائن الشيطان يوحي للداعية بترك بعض الأعمال الصالحة الظاهرة بحجة أن باطنه ليس كذلك .. فلا تفعل لئلا ينخدع الناس بك !
و هذا خطأ كبير .
بل العمل الصالح الذي تزاوله بجوارحك هو من أسباب صلاح قلبك و صدقه، ما دمت لم تعمله رياء و لا سمعة و لا على سبيل خداع المؤمنين .
ب _ الصدق في الأقوال:
و الصدق في القول تعبير عن شخصية واضحة، و مروءة و شهامة و كرم، و لا يلجأ للكذب إلا لئيم الطبع، خبيث النفس، ضعيف الشخصية، و الفطرة السليمة تستعيب الكذب و تستقبحه، و لذلك أجمعت الديانات السماوية على تحريمه وتجريمه .
فما بالك بالداعية .. أتراه يتصور صدور الكذب منه ؟!
أعتقد - إن شاء الله - أن: لا .
و لكن:من الدعاة من يتوسع في"التورية"بأن يقول كلاما يفهمه الناس على خلاف ما يقصد، و قد يكتشفون بعد أن الواقع على خلاف ما فهموه منه فيتهمونه بالكذب .. ثم إن التوسع في التورية قد يؤدي إلى التسامح في بعض"الكذيبات"بحجة أنها للمصلحة !! فالحذر الحذر !
أيها الداعية: حين يُلجئك الموقف إلى الكذب فلا تقدم عليه، و تذكر كلمة"أبي سفيان"أمام هرقل حين سأله عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقال:"والله لولا أن يؤثروا عني كذبًا لكذبت"!
لقد تجنب هذا الرجل - و كان جاهليًَّا - أن يكذب خشية أن ينقلوها عنه، أو يعيروه بها يوما من الدهر، مع شدة حاجته إليها. و نحن نعلم أن أعراض الدعاة اليوم أصبحت هدفا لسهام كثيرة، و لذا يتعين على الداعية أن يغلق الباب الذي تأتيه منه الريح ، ليريح و يستريح !
جـ _ الصدق في الأعمال:
و هو يعني أن تكون أعمال الإنسان خالصة لوجه الله تعالى من الرياء و السمعة،"فمن كان يرجو لقاءَ ربّه فليعمل عملًا صالحًا و لا يشرك بعبادة ربه أحدًا" (سورة الكهف / الآية 110) ، و قال تعالى:"ليبلوكم أيكم أحسن عملًا" (سورة الملك / الآية 2 ) .
قال الفضيل بن عياض: أيكم أحسن عملا، أي: أخلصه و أصوبه .
قيل: يا أبا علي ! ما أخلصه و أصوبه ؟
قال: إن العمل إذا كان خالصًا و لم يكن صوابًا لم يقبل، و إذا كان صوابًا و لم يكن خالصًا لم يقبل، لا يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا !
و من الصدق في الأعمال: الوضوح و تجنب الغموض و التلبيس .
روى أبو داود و النسائي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه جاء بعبد الله بن سعد بن أبي السرح و قد أهدر رسول الله صلى الله عليه و سلم دمه، حتى أوقفه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا نبيّ الله ! بايع عبد الله .
فرفع رسول الله صلى الله عليه و سلم رأسه فنظر إليه مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يأبى أن يبايعه، ثم بايعه بعد الثلاث ، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقال:"أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله ؟!".
فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك ؟ قال عليه الصلاة والسلام:"إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين !!".
إلى هذا الحد كان مدى"الصدق"في أعمال النبي صلى الله عليه وسلم، لم يرض أن يقتل عدوه اللدود الذي كان أهدر دمه بطريقة غامضة عن طريق الإيماء بطرف العين !! و كان هذا دأبه و ديدنه طيلة حياته صلى الله عليه وسلم، و لذلك لم يستطع المشركون في بداية الدعوة أن يتهموه بالكذب، بل قالوا: شاعر .. ساحر .. مجنون .. و لم يصدقهم الناس، و عندما فقدوا صوابهم و أعيتهم الحيل صرخوا: كذاب .. و لكن هيهات أن يصدقهم الناس !
فقد سرى صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم، من القلب إلى اللسان .. إلى الجوارح وتجلى على محيا وجهه الكريم .. فكل من نظر إلى طلعته وإشراقها وصفائها قرأ فيها الصدق وعرف أن وجهه ليس بوجه كذاب !
نحن نحتاج إلى نمط من الدعاة آثروا الصدق في أقوالهم و أفعالهم حتى أصبح الصدق سجية تجري في عروقهم، و تطل من طلعات وجوههم، فإذا رآهم الناس قالوا: هذه ليست بوجوه كذابين !
كما نحن بحاجة إلى دعاة يتجملون بالخلق الكريم، و يبتعدون عن الإثارة والاستفزاز فيحتفظون بهدوئهم و اعتدال منطقهم في سائر الأحوال حتى إذا أبصر الناس منهم هذا هتفوا: هذه أخلاق أنبياء .
ثانيًا / الصبر:
إن الصبر قرين اليقين"و جعلنا منهم أمة يهدون بأمرنا لما صبروا و كانوا بآياتنا يوقنون" ( سورة السجدة / الآية 24 ) .
و لذلك قال سفيان: بالصبر و اليقين تنال الإمامة في الدين .
و الذي لا يصبر فإنه من السهل أن ينخلع عن دينه لأي شيء يعترض طريقه، ومن السهل أن يتخلى عن منهجه و حكمته لأي استفزاز، و لذلك قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:"فاصبر إن وعد الله حق و لا يستخفنك الذين لا يوقنون" ( سورة الروم / الآية 60 ) .
كثيرا ما يقف الضالون في وجه الدعاة إلى الله عز و جل، يقولون لهم: إن ما تدعون إليه ضرب من الخيال لا يمكن أن يتحقق في الواقع، أنتم تدعون إلى أمور عفا عليها الزمن، و نسيها الناس أو كادوا، فينبغي أن ترضوا بما دون ذلك، و أن تراجعوا آراءكم و اجتهاداتكم !!