فهرس الكتاب
و أمام ضغوط الواقع القائم، و أمام العقبات الحقيقية والوهمية في وجه تحقيق الإسلام، و أمام طول الطريق .. قد يستجيب بعض الدعاة و يتأثر، و يبدأ في إعادة النظر في فهمه للإسلام ، و فيما يقوله الخصوم !
و يا ليته إذ يفعل ذلك يفعله بروح الباحث المتجرد الشجاع المتطلع إلى الحق أين كان .. إذن لهان الخطب !
لكنه يفعله بروح"المنهزم"الذي يحس بأنه خرج من المعركة أسيرا أو كسيرا .. فهو يبحث في"عروض"القوم عن"حل"يجنبه المعركة مع الباطل .. مع الواقع المنحرف ..
أنت لست مطالبًا بتحقيق نصر واقع للإسلام ، فهذا أمره إلى الله متى شاء أن يحدث حدث، لكنك مطالب ببذل جهدك في هذا السبيل فحسب! و الرسل و الأنبياء كانوا يخاطبون بذلك:"إن عليك إلا البلاغ" ( سورة الشورى / الآية 48 ) .
و كانوا يقولون:"و ما علينا إلا البلاغ المبين" ( سورة يس / الآية 17 ) .
و قد يأتي أحدهم إلى بعض الدعاة و يقول له: أنت تعمل أعمالا جبارة، و تواصل كلال الليل بكلال النهار، لكن النتيجة في النهاية قليلة، فالناس ينفضون من حولك، و أنت ترى وسائل الهدم و التخريب قد استحوذت على الكثير منهم .. و أصبحت تفسد في ساعة ما يبنيه الداعية في سنة.
و هذا المنطق قد يؤثر على كثير ممن لم يعتادوا على عقبات الطريق .
و هنا يأتي دور"الصبر"الصبر الجميل .
عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، و هو متوسد بردة في ظل الكعبة، و قد لقينا من المشركين شدة، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو لنا ؟ ألا تستنصر لنا ؟
فقعد صلى الله عليه و سلم، و هو محمرٌّ وجهه، و قال:"لقد كان من قبلكم يمشط بمشاط من حديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، و ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله، و الذئب على غنمه .. و لكنكم تستعجلون ".
فالعجلة في قطف ثمار الدعوة و نتائجها لا تتناسب مع الصبر الذي يجب أن يتحلى به الداعية .
ثالثًا / التواضع:
و هو معرفة المرء قدر نفسه، و تجنب الكبر الذي هو بطر الحقّ وغمط الناس. كما قال صلى الله عليه وسلم، فيما رواه مسلم و غيره .
و التواضع في الأصل إنما هو للكبير الذي يخشى عليه أن يكبر في عين نفسه، فيقال له:
تواضع تكن كالنجم لاح لناظر *** على صفحات الماء و هو رفيع
أما الإنسان العادي فلا يقال له: تواضع، و إنما يقال له: اعرف قدر نفسك، و لا تضعها في غير موضعها .
فكم نجد من بعض الصالحين، و ربما الدعاة أحيانا، بل و من صغار الطلبة من يسيئون الأدب مع شيوخهم وعلمائهم وأساتذتهم ، و إنه لأمر يحز في النفس ويؤلمها !
لا حرج أن تختلف مع عالم أو داعية في رأي أو اجتهاد متى كنت أهلًا لذلك .. لكن الحرج كل الحرج أن يتحول هذا الاختلاف إلى معول هدم لمكانة هذا العالم، و الحط من قدره، ، و سوء الأدب معه .
إن من التواضع، بل من معرفة قدر النفس ألا ينظر الشاب المبتدئ إلى نفسه على أنه ند لهذا العالم أو ذاك، و يقول: هم رجال .. و نحن رجال !!
و الحال أن الرجولة تختلف .. فإن صفة الرجولة في القرآن الكريم سيقت مساق المدح في مواضع عدة:
"فيه رجال يحبون أن يتطهروا" ( سورة التوبة / الآية 108 ) .
و قد يعبر بالرجولة عن الفحولة و الذكورية فحسب، في مواضع أخرى:
"و أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن" ( سورة الجن / الآية 6 ) .
فالرجال ليسوا سواء ، و أين الثرى من الثريا ؟!
و من التواضع أن يتواضع المرء مع أقرانه، فكثيرًا ما تثور بين الأقران والأنداد روح المنافسة و التحاسد، و ربما استعلى الإنسان على قرينه، و ربما فرح بالنيل منه، و الحط من قدره وشأنه، و عيبه بما ليس فيه، أو تضخيم ما فيه، و قد يظهر ذلك بمظهر النصيحة والتقويم وإبداء الملاحظات، و لو سمى الأمور بأسمائها الحقيقية لقال: الغيرة .
و العجب أن يغار الداعية من اجتماع ألف أو ألفين في مجلس علم أو دعوة لكنه لا ينفعل لو سمع أن حفلا غنائيًا أو مباراة رياضية حضرها عشرون أو ثلاثون ألفًا، وهذا و الله من البؤس، حتى لو كنت لا ترضى من أخيك بعض الأمر، يكفيك أنه يدعو إلى الله، و يعلم الناس الدين، و هو على الجادة إجمالا، و قد يكون الحق معه في بعض ما انتقدته عليه .
و من التواضع: التواضع مع من هو دونك، فإذا وجدت أحدًا أصغر منك سنًا، أوأقل منك قدرًا فلا تحقره، فقد يكون أسلم منك قلبًا، أو أقل منك ذنبًا، أو أعظم منك إلى الله قربًا .
حتى لو رأيت إنسانًا فاسقًا وأنت يظهر عليك الصلاح فلا تستكبر عليه، واحمد الله على أن نجاك مما ابتلاه به، و تذكر أنه ربما يكون في عملك الصالح رياء أو عجب يحبطه، و قد يكون عند هذا المذنب من الندم و الانكسار والخوف من خطيئته ما يكون سببًا في غفران ذنبه .
و من التواضع ألا يعظم في عينك عملك، إن عملت خيرا، أو تقربت إلى الله تعالى بطاعة، فإن العمل قد لا يقبل:"إنما يتقبل الله من المتقين" ( سورة المائدة / الآية 27 ) ، و لهذا قال بعض السلف: لو أعلم أن الله قبل مني تسبيحة لتمنيت أن أموت الآن !
و من ذلك التواضع عندما تسمع نصيحة، فإن الشيطان يدعوك إلى ردها، و سوء الظن بالناصح، لأن معنى النصيحة أن أخاك يقول لك: إن فيك من العيوب كيت وكيت.
أما من عصمه الله تعالى فإنه إذا وجد من ينصحه و يدله على عيوبه قهر نفسه، وقبل منه، ودعا له و شكره.