الصفحة 1349 من 3812

و لهذا قال صلى الله عليه و سلم، في تعريف الكبر:"الكبر بطر الحق و غمط الناس"، يعني رد الحق، و بخس الناس أشياءهم .

فالمستكبر صاحب نفسية متعاظمة لا يكاد يمدح أحدًا أو يذكره بخير، و إن احتاج إلى ذلك شفعه بذكر بعض عيوبه .

أما إن سمع من يذكره ببعض عيوبه فهيهات هيهات أن ينصاع أو يلين، و ما ذاك إلا لمركب النقص في نفسه، و لهذا كان من كمال الإنسان أن يقبل النقد والملاحظة بدون حساسية أو انزعاج أو شعور بالخجل و الضعف، و ها هو أمير المؤمنين عمربن الخطاب رضي الله عنه يحمل الراية، ويرفع الشعار: (رحم الله امرءًا أهدى إلينا عيوبنا) .

رابعًا / العدل:

والعدل لفظ عام يعني التوسط الذي هو سمة المسلمين، و سمة أهل السنة والجماعة في الأمور كلها دون استثناء، و هو إعطاء كل ذي حق حقه، و مجالات العدل وصوره كثيرة جدا ليس من الميسور حصرها، لكن هذه بعض النماذج المهمة منها:

أ - العدل مع العدو و الصديق:

فالكثير من الناس إذا ذكر له صديقه أثنى عليه و لو كان يعلم أنه لا يستحق ذلك الثناء، و إذا ذكر له خصمه ذمّه و لو كان يعلم أنه خلاف ما يقول .

فهل يستطيع الداعية أن يذكر العيوب الموجودة في أقرب الناس إليه ممن يكون مثله في المنهج والطريقة ؟! أو يكون شريكا له في عمل ما ؟!

و هل يستطيع أن يثني بصدق على إنسان يختلف معه في بعض الأمور ؟

إن كان يستطيع ذلك فقد حقق العدل في هذا الجانب، و لكن أكثر الناس يجورون على خصومهم فيذمونهم بما ليس فيهم، و يجورون أيضا على أصدقائهم فيمدحونهم بما ليس فيهم .. و هذا وإن كان مظهره مظهر المحبة و الثناء إلا أن حقيقته الجور و الذم، فمن أثنى عليك بما ليس فيك فقد ذمّك، لأن الناس يتطلبون هذه الخصلة فيك فلا يجدونها فيذمونك على فقدها، و الله تعالى قد أمرنا بالعدل حتى مع الأعداء فقال:"و لا يجرِمنَّكم شنآنُ قومٍ على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى" [ المائدة: 8 ] .

ب- العدل في تقويم الكتب:

فحينما تقوم كتابًا فليس من العدل أن تقول إنه يحوي أحاديث موضوعة أو ضعيفة - مثلًا - أو آراء شاذة، فتذكر هذا الجانب المظلم، و تنسى جانبًا آخر موجودًا في الكتاب، و هوأنه يحوي توجيهات مفيدة، أو أبحاثا علمية .

إن ذكرك لنصف الحقيقة و إهمال النصف الآخر منها ليس من الأمانة .

و الكثير من الناس بمجرد أن يرى خطأً في كتاب ما يحذَره و يحذّر منه، لأنه ساق حديثًا ضعيفًا، أو أخطأ في مسألة، و لو عاملنا كتب أهل العلم بهذا المقياس ما بقي لنا كتاب .

صحيح البخاري مثلا - و هو أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى - هل حاز على الكمال المطلق؟ كلاّ، فقد بيض لبعض المواضع، ولم يضع تحت بعض الأبواب أحاديث، وفيه أحاديث معلقة غير موصولة، و في بعض روايات الصحيح اختلاف.

و لا يخلو كتاب بعد كتاب الله من النقص والخطأ ، فلا ينبغي أن نذكر عيوب كتاب ومثالبه، إلا و نذكر إلى جانبها محاسنه ما كانت له محاسن .

ج- العدل في الحكم على الدعوات و الحركات:

منذ سقوط الخلافة الإسلامية قامت في العالم الإسلامي دعوات و حركات كثيرة تهدف إلى استئناف الحياة الإسلامية و الحكم الإسلامي، أو إلى استمرار الدعوة بين غير المسلمين، أو إلى إحياء السنة، أو ما شابه ذلك من الأهداف النبيلة .

و هذه الدعوات تختلف في منهاجها و أسسها و أهدافها، و تختلف في قربها أوبعدها عن منهج الكتاب و السنة .

و قد تحدث كثيرون عن هذه الدعوات و درسوها من جوانب مختلفة، و الأمر الذي تكاد أن تفقده في كثير من هذه الدراسات هو"العدل"، فكثير من الكتاب ما بين منتم لهذه الدعوة، معجب بمناهجها و طرائقها فهو يكيل لها المدح كيلا، و آخر متحامل عليها لا يرى فيها إلا كل نقيصة، و بين هذا و ذاك تضيع الحقيقة .

إن الله تعالى يحب العدل، و يكره الجور، و من قصّر في جانب فلا يلزم أن يكون مقصرًا في كل جانب، و لا يسوغ أن تنسيك سيئاتهم الكثيرة حسناتهم القليلة .

د - العدل في النظر إلى الجهود و الأعمال الدعوية:

هناك جهود في ميدان الدعوة إلى الله تعالى لا ترتبط بفئة معينة، فهي عمل جهادي أو دعوي تضافرت عليه همم المؤمنين، أو طوائف منهم، و هي جهد بشري يخطئ و يصيب، و ليس له من العصمة نصيب، و لذلك فإن من المصلحة الظاهرة أن"تقوّم"هذه الأعمال تقويمًا صحيحًا معتدلًا، يحقق الانتفاع بالإيجابيات و توسيعها و تعميقها، و تلافي السلبيات و الخلاص منها، لئلا تتكرر الأخطاء نفسها و يعود المسلمون من حيث بدؤوا .

و لكن هذه المصلحة الظاهرة قد تضيع بين طرفين:

-... طرف يرى هذا العمل كاملا لا عيب فيه، فيرمي بسهام الاتهام و الشك كل من يوجه نقدًا أو ملاحظة .

-... و طرف لا يبصر إلا العيوب، حتى لا يكاد يرى في هذا العمل شيئًا يمكن الانتفاع به!

أين ميزان القسطاس الذي وضعه الله لهذه الأمة ؟

هل هذا هو الإتباع الحقيقي لرسول الله صلى الله عليه و سلم، الذي كان يعرف للناس أقدارهم، و لا يبخسهم أشياءهم، و كان يثني على الإنسان بما فيه من خلال الخير، إذا كان ثم مصلحة - و لو لم يسلم من الأخطاء !

أليس قد أثنى - صلى الله عليه و سلم - على النجاشي، و وصفه بأنه"ملك لا يظلم عنده أحد"مع أنه حينها كان كافرًا لم يسلم بعد ؟!.

هـ - العدل في التعامل مع النصوص الشرعية:

وهذه النصوص المحكمة كلها"دين"يجب قبوله و طاعته و الإيمان به، و ليس شيء منها"مهجورًا"ما دام محكمًا غير منسوخ .

و من العدل أن تتوازن في النظر إلى هذه النصوص، فلا تأخذ منها نوعا و تهمل نوعا آخر، خاصة النصوص الواردة في موضوع واحد، أو في موضوعين متقابلين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت