فهرس الكتاب
إن هناك من يأخذ نصوص الوعيد كحديث"لا يدخل الجنة قاطع"، أو"لا يدخل الجنة قتات"و يبني على ذلك تكفير الخلق بهذه الأعمال و نحوها اعتمادًا على ظواهر هذه النصوص، وينسى أو يتناسى النصوص الأخرى الواردة في الوعد و الرجاء ، كحديث عتبان:"فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله"وغيرها.
و في الطرف الآخر هناك من يعكس المسألة فيأخذ نصوص الرجاء وحدها، ويؤمن الناس من مكر الله و يغفل نصوص الوعيد .
و العدل أن نأخذ بهذا و ذاك، و نضع هذه في كفة، و تلك في أخرى حتى يعتدل الميزان ويستقيم .
و من العدل بين النصوص الشرعية العدل بين الكليات والجزئيات، فالدين كله لله، و ليس فيه شيء يجوز أن يهون من شأنه، أو أن يتجاهل أو يهمل، و لهذا قال صلى الله عليه وسلم، لما أجاب جبريل عن الإيمان و الإسلام و الإحسان:"هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم".
و لذا لو أنكر الإنسان أمرا معلوما من الدين بالضرورة متواترا قطعي الثبوت لكان بذلك كافرا و لو كان هذا الأمر الذي أنكره سنة أو فرض كفاية كركعتي الفجر والآذان و نحوهما .
فليس في الدين"قشور"أو"توافه"كما يحلو لبعض المتعجلين و الهاجمين على القول بدون ثبت و لا روية أن يعبروا .
و - العدل في النظرة الشمولية للإسلام:
فالدين جاء ليحكم شؤون الحياة كلها، على مستوى الفرد و الجماعة، و في الجوانب الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و العلمية و سواها، و قد عاب الله تعالى على بني إسرائيل و وبخهم بقوله:
"فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة و البغضاء إلى يوم القيامة" ( المائدة: 14) .
فالتحزب على جزء من الدين، و نسيان الأجزاء الأخرى هو من ميراث الأمم الهالكة، ومن أعظم أسباب الفرقة و الخلاف بين الدعاة .
ز_ العدل مع الواقع:
فالبعض من الدعاة يعيش في هذا العصر، و كأنه في القرن الخامس الهجري! لايعرف عصره، و لا يدري ما يقع حوله، و يفاجأ بالأحداث. كما يفاجأ بها رجل الشارع !
إن المسلم قيم على عصره، و شاهد عليه، فهو يعيش هموم المجتمع، و يدرك تيارات الفكر واتجاهات السياسة، و يحرص على إيجاد الحلول الصحيحة للوقائع الجديدة، و على مقاومة الانحرافات بعد معرفتها و إدراك جذورها، و لن يستطيع نقض مناهج الفكر الغربي من لا يعي جذورها و ظروفها و منطلقاتها .
و ليس من الضروري أن يصبح كل داعية كذلك، لكن لا بد أن يَنْفُرَ من المؤمنين طائفة ليقوموا بهذه الفريضة، و على المستوى العام لا بدّ أن يكون للداعية نافذة على الواقع يدرك من خلالها أهم الأحداث المحيطة به، و يستطيع أن يكون مرشدًا للناس إلى السلوك الصحيح حيالها .
ح _ العدل في التعامل مع الخلاف:
الخلاف من طبيعة البشر"و لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك" ( هود: 118 - 119 ) .
و لا شك أنه يختلف و يتفاوت باختلاف النيات و المقاصد، و اختلاف العقول والمدارك، واختلاف العلوم، و التعامل مع الخلاف يتطلب موقفًا شرعيًَّا .
بعض الدعاة يدعو إلى وحدة الصف و جمع الكلمة و نسيان الخلاف دون تحديد ضابط دقيق لمن يمكن الوحدة معه، و من تجب مفاصلته لبدعته و ضلاله وانحرافه.
و في الطرف الآخر هناك من يبالغ في الشروط، حتى ليريد من الناس أن يوافقوه في كل شيء، حتى في اجتهاداته الشخصية الفردية، و آرائه الخاصة، فإذا خالفه أحد في بعض ذلك أعرض عنه، و اتخذ منه موقف المناوئ، و أصبح لا يأبه به ولايقيم له وزنًا !
و العدل يقتضي تقبل الخلاف فيما يسوغ الخلاف فيه كالوسائل الدعوية، والفرعيات، والأحكام التي اختلف فيها السابقون .. و نحو ذلك مما بني على اجتهاد شرعي في فهم النصوص، لا على مجرد الميل و التشهي .. فمثل هذا يحتمل، ويكون الأمر فيه واسعًا .
أما التسامح مع أهل البدع الاعتقادية الغليظة، و الانحرافات الجوهرية بحجة توحيد الصف فمسلك تلفيقي لا يمتّ إلى العقل و لا إلى الشرع بصلة .
و أما مطالبة الناس بالاتفاق على كل شيء، و ألا يختلفوا في شيء البتة فضرب من المحال والخيال، لا يتصوّر إلا في عقول السذّج .
خامسًا / العاطفة الحية:
نحن بحاجة إلى داعية يملك قلبا يحترق على واقع الإسلام و المسلمين و على أوضاع الأمة في مشارق الأرض و مغاربها، يعطف على إخوانه و يحقق قوله سبحانه"أشداءُ على الكفار رحماءُ بينهم" ( الفتح:29) و لا يكون شأنه شأن الخوارج في الدهر الأول الذين يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان .
إن المؤمن ينبغي أن يكون شديدًا على الكفار رحيمًا بالمؤمنين و يحقق في نفسه قوله صلى الله عليه و سلم:"مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى".
فنحن بحاجة إلى من يحس بآلام إخوانه المسلمين، فإذا سمع بمصيبة حلت بإخوانه تألم لها و لو كان لديهم بعض التقصير و الابتداع .
و من هذه العاطفة أن يملك الإنسان قلبا يتأثر لأخطاء المسلمين و انحرافهم عن الدين، فيحزن لانتشار الفسق و المعاصي بينهم حزنا لا يدفعه لاعتزالهم إنما يدفعه لأن يشعر أنه كالطبيب معهم يحاول إنقاذهم فإن لم يدرك ذلك كله فليقلل من هذا الانحراف بقدر ما يستطيع .
و ينبغي أن تدعوه هذه العاطفة للغيرة على نفسه و زوجه و ولده فيأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر و يمنعهم من ارتكاب ما يسخط الله عز و جل .