فهرس الكتاب
إن العاطفة في قلب الداعية إذا تحركت أثمرت دعوة و نصيحة و مشاركة لآلام المسلمين في كل مكان. أما حين يفقد الإنسان هذه العاطفة فيُصبح يعيش لنفسه وولده و زوجه، يعيش ليستمتع و يتلذذ بما حوله و ينسى هموم المسلمين، فإنه حينئذ يكون قد تخلى عن حقيقة الولاء للمؤمنين، و إن دندن في أحاديث حول الدعوة و الدعاة، و مصائب المسلمين، و .. و .. فإنه يكون كالنائحة المستأجرة , فآهٍ لهذه الأمة .. ما أحوجها إلى قلوب تحترق !
سادسًا / الطموح:
و يعني هذا الخلق أن لا يعيش الإنسان لنفسه و دنياه إنما يعيش لأمته كما كان صلى الله عليه وسلم، إذ تقول عنه عائشة لما سألها عنه عبد الله بن شقيق رضي الله عنه هل كان النبي صلى الله عليه و سلم يصلي و هو قاعد ؟ قالت:"نعم بعدما حطمه الناس". فقد كان صلى الله عليه و سلم، يتصدى للناس يستقبلهم ويودعهم، يأمرهم و ينهاهم، يختلط بهم و يتحمل أخطاءهم لذلك حطمه الناس وأثروا في بدنه صلى الله عليه و سلم، حتى أصبح يصلي جالسًا وأسرع إليه الشيب بأبي هو و أمي صلى الله عليه و سلم .
إن الدين مراتب الإسلام ثم الإيمان والإحسان يقابل هذه القسمة قسمة ثلاثية أيضًا و هي الواردة في سورة فاطر"ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه و منهم مقتصد و منهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير" (فاطر:32) .
و يناظر هذه القسمة قسمة ثلاثية أيضا ذكرها النبي صلى الله عليه و سلم، في حديث الفرقة الناجية حيث ذكر الإسلام أولًا وهو الضمانة الوحيدة في الدخول إلى الجنة فلا يدخل الجنة إلا مسلم، و داخل في هذه الدائرة الكبرى وهي دائرة الإسلام دائرة أضيق وهي دائرة الفرقة الناجية و تشمل من التزموا بالسلوك المستقيم والعقيدة الصحيحة و لم يقوموا بما وراء ذلك , وهناك دائرة أضيق من هذه الدائرة و هي أفضل و أشرف و أعظم و هي دائرة الطائفة المنصورة الذين يذبُّون عن الدين و ينافحون عنه و يتحملون الأذى و الألواء في سبيله فينصرهم الله جل وعلا.
فينبغي أن يكون المسلم طموحًا يسعى للارتقاء في هذه الدرجات، وأن ينظر في الدين إلى من هو فوقه و في الدنيا إلى من هو دونه .
فحاول أن تتشبه بالفضلاء و المصلحين و المجددين حتى يتحقق لك بعض الخير في هذه الدنيا، كن صاحب نفس طموحه لا ترضى بالوقوف عند حد معلوم، و لا تشبع من خير قط حتى يكون منتهاك الجنة .
و ختامًا:
ينبغي للداعية أن يكون قدوة لغيره بأن يتجنب المكروهات و فضول المباحات، وما لا يحتاج إليه، و يترفع عن الدنيا والتنافس فيها حتى يكسب ثقة الناس، فيجعل الدنيا تحت قدميه يستخدمها ولا يخدمها حتى يعلم الناس أنه ليس صاحب دنيا ولا طالب مكانة .
وعليه أن يتجنب التناقض بين القول و العمل كما قال نبي الله شعيب"و ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استعطت و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب" ( هود: 88) .
وهنا أمر ينبغي التنبه له وهو أن الكثير من الناس يظن أن الداعية لا يأمر إلا بالمعروف الذي يفعله و لا ينهى إلا عن المنكر الذي يجتنبه وهذا غلط، بل الصحيح الذي تدل عليه نصوص الكتاب و السنة أن الإنسان يجب عليه أن يأمر بالمعروف و لو كان مقصرًا فيه، و أن ينهى عن المنكر و لو كان واقعًا فيه، حتى قال بعض حذاق أهل العلم: حق على من يتعاطون الكؤوس أن ينهى بعضهم بعضًا .
و تقتضي القدوة ألا يقابل الداعية السيئة بالسيئة بل يعفو ويصفح و يقابل الإساءة بالإحسان كما كان صلى الله عليه و سلم، فيعفو عمن ظلمه، و يعطي من حرمه، ويصل من قطعه، وهذه أخلاق الأنبياء .
جعلنا الله و إياكم هداة مهتدين، غير ضالين و لا مضلين، و عاملنا بفضله و رحمته، فهو أهل التقوى و أهل المغفرة .
مميزات الدعوة المكية
اسم المحاضر: الشيخ نبيل العوضي - حفظه الله -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين..
لعل هذا الموضوع واضح من عنوانه أن أغلبه سيرة، ولكننا سنتناول هذه السيرة بشكل آخر، نريد أن نعرف كيف نستفيد من هذه السيرة في مجال الدعوة إلى الله ؟
ولعل الفاهم لهذا الدرس والفقيه من يعرف كيف يربط تلك السيرة بهذا الواقع المعاصر وبالدعوة في هذه الأيام، لأن علم المتكلم لن يسمح أن يربط كل أحداث السيرة بهذا الواقع، لكن تكفينا إشارات ...
قبل البداية يجب أن نعرف أن هناك فرق بين العهد المكي وهذا الوقت، فهناك أمر لابد أن نعرفه، وهو أنه ليس كل ما يقال في العهد المكي ممكن أن يطبق الآن، الأمر يختلف، ففي العهد المكي أولا الإسلام لم يكتمل، فربما يأتينا آت فيقول نفعل ما فعله الرسول- صلى الله عليه وسلم - ، فمثلا الخمر لا نحرمه على الناس بل نتدرج فيه، وهذا خطأ لأن الله تعالى قال: ( اليوم أكملت لكم دينكم) ، وقال: ( ادخلوا في السلم كافة ) ، فلا يجوز أن نقيس العهد المكي بعصرنا هذا بأن نقول: نتدرج مع الناس في التشريع... أو أن نقول: ندعو كما دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - حرفيًا في مكة... الأمر يختلف، ففي مكة لم يكن هناك منافقين كما في عصرنا، كان الناس إما مسلم أو كافر، أما في هذا العصر فيوجد المنافق، والمسلم، والمسلم ضعيف الإيمان، وقوي الإيمان، والعلماني الذي يدعي الإسلام وغيرهم كثير، حتى بعض الكفار الزنادقة قد يدعي الإسلام في هذه الأيام .
( هذه كانت مقدمة الشيخ حفظه الله، ثم بدأ بالحديث عن صلب الموضوع) :
سنذكر من مميزات الدعوة المكية ست نقاط:
الميزة الأولى: الانتشار: