الصفحة 1352 من 3812

كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوته منتشر، فلم يكن - صلى الله عليه وسلم - يجلس في بيته وينتظر الناس ليأتوا إليه، بل كان - صلى الله عليه وسلم - منتشرًا في كل مكان، ففي كل قبيلة وفي كل بطن تجد له أحدا من الناس قد أسلم، ، فهذا أبو ذر من غفار، وهذا الطفيل بن عمرو من دَوس، وهذا عمر بن عبسة السُلمي، وهذا بلال الحبشي، وهذا سلمان الفارسي، وهذا صهيب الرومي، وهذا من بني عبد مناف، وهذا من بني عامر.

كان - صلى الله عليه وسلم - يستقبل الوفود، وعندما يحين موعد الحج كان يأتي وفود الحج فيأتيهم في خيامهم ويفتح الخيمة ويقول: ( من يؤويني يبلغ دعوتي، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) ، وكان - صلى الله عليه وسلم - يضرب على البيوت، ويأتي على الأسواق والمجالس والنوادي، فالذي يقرأ في السيرة يعجب، لقد كان - صلى الله عليه وسلم - دوامة بالناس، يجول ويصول على المجالس.

فيتبين لنا أنه - صلى الله عليه وسلم - ينتظر ساعة الصفر، فكان يعد العدة... يعد الرجال .

الميزة الثانية: الجرأة في عرض الحقيقة والمواجهة:

كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يواجه الناس، ما كان يستحي ولا كان يخجل، أو يخفي بعض المبادئ، الإسلام كله كان يعرضه على المشركين قبلوا أم لم يقبلوا: ( قل ياأيها الكافرون * لاأعبد ماتعبدون ) جرأة ومواجهة..

بل وقف - صلى الله عليه وسلم - على الصفا وقال: ( إني نذير لكم بين يدي عذاب أليم ) فقال أبو لهب: ( تبًا لك، ألهذا جمعتنا سائر اليوم ) ، فأنزل الله تعالى: ( تبت يدا أبي لهب وتب ) .

فالأمر فيه جرأة ومواجهة وإعلان وصدع، قال تعالى: ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ) .

أخي العزيز اسمع لهذه القصة:

يقول ابن الزبير رضي الله عنه: كان أشراف قريش يقولون في النبي صلى الله عليه وسلم كلاما، يقولون: والله ما رأينا مثل محمد سفَّه أحلامنا، وعاب ديننا، وسب آلهتنا.

يقول - رضي الله عنه - خرج عليهم عليه الصلاة والسلام يوما وكان أشراف قريش جالسين حول الكعبة، فذهب الرسول - صلى الله عليه وسلم - واستلم الركن اليماني وطاف حول البيت.

يقول: فلما طاف الطوفة الأولى ومر عليهم غمزوه ( أي تكلموا عليه ) فما بال بهم، ثم طاف الطواف الثاني فغمزوه، ثم طاف الطواف الثالث فغمزوه، فأقبل عليهم عليه الصلاة والسلام وقال: ( أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح ) ، أي: إما الدين وإما الذبح والقتل .

يقول الصحابي: والله حتى ما كان أحد منهم إلا وكأن طائرا واقع على رأسه، حتى كان أشدهم فيهم وطأة يقول: ( انصرف يا أبا القاسم راشدا فوالله ما كنت جهولا ) .

أرأيتم جرأة… فالمسلم إذا كان جريئا يعرض الحق عنده بجرأة، ويواجه الناس بنصحه: هذا منكر وهذا معروف، فلو كان كل رجل صاحب علم عندما يرى المنكر في أي مكان يقول: اتق الله هذا منكر، ويكون ذلك بالحكمة، لما انتشرت المنكرات.

الصحابة أيضا رضي الله عنهم ، فعمر رضي الله عنه كان جريئا، فعندما أسلم ذهب إلى المشركين وأعلن إسلامه، وعندما هاجر، كان الصحابة يهاجرون مستخفين أما عمر فأخبر كل المشركين أنه سيهاجر.

و أبو بكر - رضي الله عنه - من جرأته لم يكن يصلي في بيته، ولكنه خرج خارج البيت وجعل له مصلى فيه، والناس تمر به وتنظر إليه.

و اسمع لهذه القصة أخي:

عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان جالسا بعد الفجر، فأتاه المشركون فأخذوا يتعرضون له، وهو يرد عليهم ويدفعهم، فاجتمع المشركون عليه، ولكنه لم يسكت، فهو يُضرب ويُشتم، وهو يضربهم، يقول الراوي: حتى ارتفعت الشمس وهو يدفعهم حتى جلس من شدة التعب، حتى أجاره رجل من المشركين فابتعدوا عنه، ثم أخذ يناديهم وقال: ( يا أعداء الله، والله لو بلغنا فيها ثلاث مائة لأخرجناكم منها ) ، أي لو بلغ عددنا في مكة ثلاث مائة لطردناكم منها… انظر للجرأة والمواجهة.

الميزة الثالثة: تعليم خطط المشركين وكيفية مواجهتها:

كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم الصحابة رضي الله عنهم خطط المشركين، وكان عليه الصلاة و السلام يدرسهم هذه الخطط ويعلمهم كيفية مواجهتها، فقد كان المشركون يستخدمون خطط كثيرة ضد المسلمين ليردوهم عن دينهم، كالاستهزاء والسخرية، الاتهام، الضرب، العنف، المداهنة، الإغراء، وغيرها كثير من الوسائل... هذه وسائلهم وهذه خططهم، وكان الله تعالى يعلم نبيه - صلى الله عليه وسلم - كيفية مواجهتها، ومن ثم النبي عليه الصلاة والسلام يعلم أصحابه كيف يواجهونها، فبعض المرات يأمرهم بالإظهار، وبعض المرات يأمرهم بالسكوت، وهو عليه الصلاة والسلام أحيانا كان يظهر ويصدع، وأحيانا كان يسكت - صلى الله عليه وسلم - .

فكان يتخذ لكل مشكلة حلا، ولكل خطة مسلكا .

منها على سبيل المثال: حصار الشعب وما لاقى فيه المسلمون من تعذيب وجوع وحرمان، إن أوراق الشجر كانت تؤكل في حصار الشعب، حتى قال - صلى الله عليه وسلم: ( مرت علي ثلاثون ليلة ما عندي أنا وبلال إلا طعاما يواريه إبط بلال ) .

وغيرها كتعذيب بلال- رضي الله عنه-، وتعذيب آل ياسر، وإغرائه - صلى الله عليه وسلم - بالملك والمال، ولكن لم تنفعهم خططهم كلها.

الميزة الرابعة: عدم الاغترار بالكثرة:

فقليل تربى على الإسلام وصلب عوده خير من كثير غثاء كغثاء السيل، فالكثرة وقت المحن ووقت الشدائد والفتن تتبدل وتضعف ويثبط بعضهم البعض وقد يستسلم البعض، فلا يبقى إلا من تربى على الدين الصحيح.

فلا تغتر أخي بالكثرة، ولا تطلبها، ولكن اطلب الأصلح.

الميزة الخامسة: الرد من السماء:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت