فهرس الكتاب
من مميزات الدعوة المكية أن الرد كان يأتي من السماء، فلما وقف صلى الله عليه وسلم على الصفا وقال: ( إني نذير لكم بين يدي عذاب أليم ) ، قال أبو لهب: ( تبا لك ألهذا جمعتنا ) ، فأنزل الله تعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب) .
أمية بن خلف كان يغمز النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأنزل الله تعالى: (ويل لكل همزة لمزة) .
أبو جهل منع النبي عليه الصلاة والسلام من الصلاة، فأنزل الله تعالى: (أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى) .
ومرة تحلف مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال ادعوا الملائكة وأنا أدعوا الذين معي، فأنزل الله تعالى: ( فليدع ناديه سندع الزبانية) .
فالأمر ليس لعب ولا هزل، فأنت معك رب السماوات والأرض .
الميزة السادسة: تركيز النبي - صلى الله عليه وسلم - على أكثرهم خدمة للدين:
فكان عليه الصلاة والسلام يركز على عمر وحمزة، وهذه ميزة عظيمة، يقول ابن مسعود: ( ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر ) .
حمزة رضي الله عنه عندما أسلم لم يكن أحد من المشركين يستطيع أن يتكلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أتى إلى المشركين مرة في نواديهم، وضرب أبو جهل ضربة وقال: ( أتقول فيه ما تقول وأنا على دينه ) .
فبعد أن أسلم حمزة وعمر رضي الله عنهما اعتز الإسلام بهما.
فانتشر بالدعوة وادعوا الناس جميعا لكن في التركيز حاول أن تنتقي الناس، وركز على من تظن أنه سيخدم الدين، وأن فيه النفع لهذا الدين، لهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين ) .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
حكمة الدعاة إلى الله .
اسم المحاضر: الشيخ أبو إسحاق الحويني- حفظه الله
بدأ الشيخ محاضرته بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما رواه الإمام مسلم في صحيحه والبخاري في باب خلق أفعال العباد، وفي القراءة خلف الإمام، وكذلك رواه الدارمي والنسائي وأحمد وأبو عوانة وغيرهم من حديث معاوية بن الحكم السلمي قال: ( بين أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله . قال: فرماني القوم بأبصارهم . فقلت: وثكلى أمياه، مالكم تنظرون إليَ؟ فجعلوا يضربون أفخاذهم بأيديهم يسكتونني أو يصمتونني لكي أسكت، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فما كهرني ولا ضربني ولا سبني ولكن قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هي الذكر والتسبيح وقراءة القرآن . فقلت: يارسول الله إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاءنا الله بالإسلام، وإن منا رجال يأتون الكهان، قال: فلا تأتهم ، قال: ومنا رجال يتطيرون، قال: ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم . قال: ومنا أقوام يخطون. قال: كان نبي من الأنبياء يخط، فمن واقف خطُه خطَه فذاك . فقلت: يارسول الله كان لي جارية، وكانت ترعى غنما لي قبل أحد والجوانية، فاطلعت عليها ذات يوم ، فإذا الذئب قد عدا على غنمها فأخذ غنمة منها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون فصككتها، فعظم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقلت: يارسول الله: أفلا أعتقها ؟ فقال: ائتني بها، فجاء بها، فقال: يا جارية أين الله ؟ قالت: في السماء، قال: من أنا ؟ قالت: أنت رسول الله . فقال: أعتقها فإنها مؤمنة.
هذا الحديث هو أحد الأحاديث الكاشفة للحياة العملية لأصحاب رسول الله - رضي الله عنهم - مع نبيهم صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الحديث جملة من الفوائد:
قال معاوية بن الحكم: (بين) أي: بينما .
وقوله: ( يرحمك الله ) قال هذا وهو في الصلاة .
(رماني القوم بأبصارهم ) أي: نظروا إلي نظر الشزر.
( بأبي) هذه الباء تسمى باء التفدية، أي أفديه بأبي وأمي، وهذا يترجم ما في قلوبهم من الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر معاوية رضي الله عنه الدليل على هذا الحب: ( ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه ) .
فنصب عليه الصلاة والسلام الدليل على أنه أحسن معلم بشيئين:
الشيء الأول: ترك العتوبة والعقوبة .
والشيء الثاني: الانشغال بتعليمه.
وهكذا فليكن الدعاة إلى الله، فالدعاة إلى الله يقومون في الناس مقام الأطباء للأبدان.
فالأصل إن رأيت رجلا مخالفا فأنت تعتقد أنه جاهل بالحكم ابتداءً، فبدل أن تنشغل بعتابه انشغل برفع الجهل عنه.
هذا هو واجب الدعاة الأول: أن يزيلوا الجهل عن الناس، فما بعثوا معنتين ولا متعنتين ولا متكلفين، بل هم أيسر الناس وأسهلهم.
وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم مليئة بنماذج تدل على الرفق بالجاهل، منها حديث الرجل الأعرابي الذي دخل المسجد والرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة جلوس، فقام لركن من المسجد وبال، فلما هم الصحابة به قال عليه الصلاة والسلام: ( لا تذرموه ) ، أي لا تقطعوا عليه بوله، فلما انتهى قال عليه الصلاة والسلام: ( أريقوا على بوله ذنوبا من ماء ) ، ثم قال صلى الله عليه وسلم له: (ما حملك على أن بلت في مسجدنا ؟ أولست برجل مسلم ؟) قال: فو الذي بعثك بالحق ما ظننته وهذه الصعدات إلا شيئا واحدا. فهو جاهل لا يعرف أحكام المساجد، فالرسول صلى الله عليه وسلم بين له خطأه بألطف بيان، فلم يعاتبه لعلمه بجهله فهو أعرابي جاء من بيئة جاهلة، فالأصل جهلهم بالأحكام الشرعية، فبدل أن ينشغل بالإنكار والإنكار الشديد فضلا عن التنفير، انشغل بالتعليم، فتحققت الحكمة في الدعوة.