ويتبين مما تقدم أن وسائل الدعوة هي كل الطرق والأسباب التي من شأنها أن تجعل الدعوة الإسلامية، واقعا متحققا في الحياة سواء كانت أسبابا شرعية أمر الله بها أو ندب إليها في الكتاب والسنة، أو كونية دل الشرع على إباحتها وجعلها الله كونا وقدرا تقتضي مسبباتها التي تكون في هذه الحال هدفا من أهداف الدعوة.
وهي بهذا الاعتبار تكون شرعية أيضا من جهة أن الشريعة دلت على إباحتها ، ودلت نصوصها العامة على شرعية استعمالها في تحقيق مقاصد الشريعة .
وسائل الدعوة يصعب حصرها:
وبهذا يتبين أن وسائل الدعوة ، بالمفهوم الشامل الذي بيناه ، والذي دلت عليه النصوص الشرعية، يصعب دخولها تحت الحصر ، فإن الأسباب والطرق التي يتوصل بها إلى تمثل المعروف في الحياة وزوال المنكر بقدر الاستطاعة كثيرة جدا ومتغيرة جدا ، فإن الله تعالى قد أجرى سننه الكونية على تغير كثير من الأسباب بتغير الزمان والمكان ، فقد يكون من الأسباب ما يقتضي حصول مسببات لم يكن يمكن حصولها في أزمان مضت، بل إن منها ما لم يسبق زمن بحصولها قط ،مثل ما يستعمل الآن من السلاح في الحروب فإنه يحصل به من تحقيق أهداف الحرب ما لم يمكن في الماضي ، ومنه ما يقضي على الأمة العظيمة من الجند بلحظة واحدة ، ومعلوم أن هذا لم يكن قط ليتحقق في الأسباب العادية الطبيعية في جميع العصور السابقة منذ بدأت الحروب بين البشر.
وسائل تحسين الجيوش الإسلامية من وسائل الدعوة:
وكذلك وسائل تحسين الجيوش وإدارتها وتقسيم الجند والقادة وما يلزم في ذلك من الأعمال الإدارية وأنظمة الجزاء و التعزير والعقوبات العسكرية وغيرها ، ما هو كثير يصعب حصره وخاضع للتغير والتطوير المستمر.
ومن وسائل الدعوة ، ما يحتاج إليه المسلمون من الأسباب والطرق التي تقتضيها ظروف العصر لتحصيل العلوم الشرعية، وتمكين حملتها من ممارسة دورهم في المجتمعات، وإدخالهم في مؤسسات الدولة ليتمكنوا من خلالها من إيصال الدعوة الإسلامية .
مثل إنشاء الكليات الجامعية ، وإدارتها بأساليب الإدارة الحديثة التي يكون أغلبها مما أحدثه غير المسلمين، ومنحهم الشهادات على النظام التي تعترف به الدولة وقد يكون من الأنظمة المستوردة من غير بلاد المسلمين.
ولهذا رأي من رأى من العلماء جواز استعمال نظام منح الشهادات العليا في العلوم التي يستعملها غير المسلمين، ولا تعترف غالب الدول الإسلامية إلا به، استعماله في علوم الشريعة ، مثل ما يسمي (الماجستير والدكتوراه) بنفس الترتيب الإداري الذي أحدثه أولئك ، ليتمكن حملة العلوم الشرعية بواسطته من تبوء المراكز العلمية التي تخولهم لإحداث التغير الذي ينشدون في مجتمعاتهم.
بل إن منهم من يدرس في البلاد النصرانية ويحصل على الشهادات العليا الشرعية من هناك ، وإنما يمنحه إياها جامعات تتبع دول النصارى ويكون ذلك عنده من الوسائل المباحة التي بها يتوصل إلى دعوة الناس إلى دين الإسلام .
ويدخل تحت وسائل الدعوة - إذا اعتبرنا الدولة الإسلامية ما هي إلا المؤسسة العليا المنوط بها القيام بالدعوة الإسلامية- كل ما تحتاجه الدولة من وسائل معنوية ومادية وإدارية ، حتى أساليب الإدارة الحديثة التي تدرس اليوم في كليات متخصصة وينال الدارسون فيها شهادات إدارية ، وكذا ما تحتاجه الدولة من ذلك لإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونظام العقوبات الشرعية وترتيب إدارات القضاء والفتيا وتقسيم العاملين في ذلك كله وفق أنظمة العمل المعمول بها في العالم ، إذا لم يخالف شيء من ذلك الشريعة المطهرة.
ومعلوم أن هذا لا بد منه للدولة في العصر الحديث حتى لو كانت تدين بتحكيم الشريعة في كل شؤون الدولة .
وأن هذا كله مما يصح دخوله تحت اسم الوسائل، وأن ما يتحقق به هو نفسه أهداف الدعوة الإسلامية إذا كان ذلك ضمن عمل الدولة الإسلامية .
وسائل الدعوة في عمل الجماعات الإسلامية:
وإذا كانت الدولة في الإسلام يجوز لها استعمال كل الوسائل المباحة للتوصل إلى ترجمة التعاليم الإسلامية إلى واقع عملي هو حقيقة عمل الدعوة.
فالأمر فيما يتعلق بعمل الجماعات التي تتحرك لتحقيق أهداف الدعوة الإسلامية في المجتمعات الإسلامية التي لا تكون الدولة فيها تدين بتحكيم الشريعة ،لا يختلف إذ لا وجه لاختلافه البتة ، فيصير تحت يديها كل ما لم ينص على تحريمه من الوسائل التي تمكنها من تحقيق أهدافها ، وكل التراتيب الإدارية الحديثة في تنظيم العمل الدعوي وأنظمة الإدارة التي تتطور ويتوصل الباحثون فيها إلى أساليب أكثر فعالية كلما تطور الزمان.
كما أن للدعوة الإسلامية أن تستعمل الوسائل الإعلامية المتطورة إذا خلت من المحاذير الشرعية، وقد تحتاج إلى ابتكار أساليب ووسائل جديدة أو تقتبس مما توصل إليه غير المسلمين من الوسائل والأسباب التي سكت عنها الشرع لإنجاح أعمال الدعوة في المجتمع ، كما فعل أولئك الذين اقتبسوا نظام التعليم عن غير المسلمين ، وجعلوا علوم الشريعة منتظمة تحته كوسيلة لتحقيق هدف التعليم الشرعي في الأمة ، بما يناسب العصر .
التخريج الشرعي لوسائل الدعوة:
وقد يظن ممن لم يتمعن في لوازم ما يقول أن الوسائل المتعلقة بالدعوة إلى الله ينبغي أن تكون توقيفية، لأن الدعوة إلى الله أمر شرعي داخل تحت اسم العبادة والعبادة توقيفية، فوسائلها كذلك ينبغي أن تكون توقيفية .
ومعلوم أن التوقيفي هو ما يتوقف العمل به على النص الخاص وما لا يصح فيه استعمال القياس.
ويتبين ما في هذا القول من مجانبة الصواب ، مع أنه قد يصدر من أفضل أهل العلم ، فلا بد من تناول المسألة من بابها الشرعي حسب قواعد الفقه وأصوله.