وكثير من الوسائل التي استعملها عليه الصلاة والسلام ـ والتي هي من جملة أفعاله ، والاستدلال بها يدخل في باب الاستدلال بالأفعال النبوية ـ اقتضت الظروف في وقته أن تكون هي الأسباب الطبيعة التي تؤدي إلى تحقيق أهداف دعوته .
وليست كلها هو متعبد بفعلها لذاتها على وجه الخصوص، فكثير منها هو في الأصل فعل مجرد مباح لكنه صار واجبا لأنه يوصله إلى غرض واجب، وليس بالضرورة يكون كذلك في حقنا .
فالنبي صلى الله عليه وسلم استعمل أسلوب الهجرة لتكوين المجتمع الإسلامي النواة في بيئة أصلح ثم الدولة .
والهجرة كانت في حياته صلى الله عليه وسلم حدثا عظيما يشكل متغيرا تاريخيا أو كما يسمى هذه الأيام ( القرار الاستراتيجي (.
وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم الهجرة كوسيلة من وسائل تحقيق أهداف دعوته ، وهي مع ذلك تدخل في الاستدلال بأفعاله صلى الله عليه وسلم ، ولو لم يحتج إليها لم يهاجر، ولو لم يقع السبب الذي اضطره إلى الهجرة لما سلك هذه الوسيلة .
فهل يجب علينا سلوك هذه الوسيلة في كل ظرف وزمان ومكان حتى لو زال السبب الذي اقتضى هذه الوسيلة ؟
وقد ظن هذا بعض الجماعات، فأسسوا منهج الدعوة عندهم على أساس الهجرة ثم تكوين المجتمع النواة ثم الانقضاض على المجتمع الجاهلي ، وهي جماعة ( التكفير والهجرة(.
وأغرب منهم من يستدل بالأدوات والعناصر المادية التي كان يستعملها صلى الله عليه وسلم ، على أنها مما يتبع فيه مطلقا كاستناده إلى جذع ثم المنبر وبناء المسجد من طين والمنع من مكبر الصوت في باب الترك مثلا .
وقد أُتي الجميع من قلة فقههم في وجه الاستدلال بالأدلة الشرعية عموما وبالسنة والسيرة النبوية على وفق القواعد التي ضبط بها العلماء ذلك ، وظنوا أن مقتضى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة هو فعل ما فعل مطلقا .
والاستدلال بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم - التي تعتبر وسائل الدعوة وثيقة الصلة بها - يحتاج إلى فقه عميق، ومعرفة بالقواعد والضوابط التي وضعها العلماء لتعصم من الاستدلال الجزئي أو العشوائي الذي ينظر إلى النص مقطوعا عن نظائره وعن القواعد التي يفهم من خلالها .
جماع الاستدلال بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم على مسألة وسائل الدعوة:
وجماع ذلك يرجع إلى ثلاثة أمور:
1-أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم المجردة في الأصل إنما تدل على الإباحة لا يستدل بها بالنظر إلى ذاتها على أكثر من ذلك .
2-أن ما كان من أفعاله صلى الله عليه وسلم قد استعملها كوسيلة من وسائل الدعوة، إنما استعملها لأنها في زمنه وظروف بيئته هي الأسباب الطبيعية التي تحقق له أهدافه فصارت مستحبة أو واجبة تبعا لذلك .
3-أن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب يتحقق بمماثلته في صورة الفعل وحكمه وسببه والمقصد منه، ويتخرج من المجموع حقيقة التأسي به .
أمثلة:
ولهذا لو اتخذ من يريد الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، اتخذ شعرا طويلا وفعله على وجه القربة والعبادة فليس متأسيا به لأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك على وجه الإباحة فهذا حكمه فلا يفعل إلا على وجه الإباحة .
ولو فعل شيئا كان صلى الله عليه وسلم قد فعل لسبب في غير ذلك السبب لم يكن ذلك تأسيا به كالهجرة إذا لم يقم مقتضاها .
ولو فعل شيئا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحقق هدفا ومقصدا لا يتحقق بنفس الفعل في هذا الزمان أو المكان لم يكن ذلك تأسيا به وهذا قد يكون في العبادات أيضا .
ومن الأمثلة على هذا: ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، قال: (والأخرى - يعني الرواية الأخرى عن أحمد - يخرج ما يقتاته وإن لم يكن من هذه الأصناف، وهو قول أكثر العلماء كالشافعي وغيره وهو أصح الأقوال فإن الأصل في الصدقات أنها تجب على وجه المواساة للفقراء كما قال تعالى: { من أوسط ما تطعمون أهليكم } ، والنبي صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير لأن هذا كان قوت أهل المدينة، ولو كان هذا ليس قوتهم بل يقتاتون غيره لم يكلفهم أن يخرجوا مما لا يقتاتونه ) . جزء الزكاة من مجموع الفتاوى ص 69 .
فتأمل كيف جعل إخراج الزكاة من غير الأصناف المنصوص عليها والتي فعلها صلى الله عليه وسلم وكانت وسائل مواساة الفقير في زمنه، جعل ذلك هو الصواب الموافق للشريعة المحمدية .
ومما قال أيضا: ( وهذا باب واسع قد بسطناه في غير هذا الموضع، وميزنا بين السنة والبدعة، وبينا أن السنة هي ما قام الدليل الشرعي عليه بأنه طاعة لله ورسوله فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو فعل على زمانه أولم يفعله ولم يفعل على زمانه لعدم المقتضي حينئذ لفعله أو لوجود المانع منه ) مجموع الفتاوى 21/381 .
استعمال وسائل للدعوة لم يستعملها النبي صلى الله عليه وسلم قد يكون من سنته:
وقوله: ( لعدم المقتضى حينئذ لفعله أو لوجود المانع منه ) هو موضع عظيم النفع، فإن كثيرا من وسائل الدعوة المعاصرة هي أسباب مباحة توصل لتحقيق أهداف النبي صلى الله عليه وسلم من دعوته، ولم توجد في زمنه لعدم قيام المقتضي لفعلها أو لوجود مانع منها لو زال رجعت إلى أنها مشروعة داخله في سنته وشريعته صلى الله عليه وسلم .
وقد يتنازع العلماء من أجل هذه القاعدة في أمور وقعت منه صلى الله عليه وسلم ، فيما يتعلق بالعبادات المحضة من أفعال اقترنت بها هل هي سنة ، أم لا تدل على ذلك .