الصفحة 1391 من 3812

قال ابن تيمية رحمه الله: ( وهذا هو الأصل فإن المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل، ولهذا لما اشتبه على كثير من العلماء جلسة الاستراحة هل فعلها استحبابا أو لحاجة عارضة تنازعوا فيها، وكذلك نزوله بالمحصب عند الخروج من منى لما اشتبه هل فعله لأنه كان أسمح لخروجه أو لكونه سنة ؟ تنازعوا في ذلك ) . مجموع الفتاوى 1 / 281 .

وإذا كان هذا في مثل هذه العبادات المحضة فكيف في غيرها مما سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الوسائل والأسباب التي توصله لتحقيق أهداف دعوته العامة .

فكيف يصح أن يقال أنها توقيفية مطلقا ويغلق على المسلمين باب الاجتهاد فيها والقياس، وكيف يمكنهم أن يحققوا أهداف الدعوة الإسلامية مع تغير الزمان والمكان واقتضاء ذلك لتغيرالأسباب والوسائل، إذا كانوا يرفضون هذه الأسباب التي لا تدل الشريعة أصلا على تحريمها وإنها هي من المباح .

وبهذا يتبين أن القول بأن وسائل الدعوة توقيفية ليس بوجيه، وإن كان قد يقوله من أهل العلم والفضل من هو منهما بمكان .

شبهة للعلمانيين والرد عليها:

-ولا يلتفت إلى ما تشغب به الأحزاب العلمانية الضالة على الشريعة من خلال هذه الأصول الشريفة.

وهم يتعلقون بكثير من كلام علماء الإسلام وقواعد الفقه العامة، لكنهم يضعونها في غير موضعها ويشبهون بها على ضعاف العقول ومرضى القلوب، ولهذا نجحوا في الترويج لمذهبهم وبدعتهم الشنيعة في بلاد المسلمين، وأشكل كلامهم ـ كقولهم بأن إقامة الدولة وترتيب الإمامة بل وإقامة الحدود وسائل لتحقيق أهداف وروح الدين الإسلامي وأن ذلك يتحقق بغيرها في هذا الزمان ـ أشكل ذلك على كثير من المنتسبين إلى العلم الشرعي فتخبطوا في فقه السنة.

وجماع الجواب على ما تعلقوا به أن يقال:

أن جوانب الحياة البشرية لا تخرج عن ثلاثة أقسام:

القسم الأول:

جوانب ثابتة متعلقة بحقيقة الإنسان ذاته في أي مكان وزمان وجد، كالعبادات المحضة من صلاة وصيام وحج وأحكام الطهارة والأسرة والمحرمات المتفق عليها المغروس في فطرة الإنسان قبحها كالزنا والسرقة والخيانة . . . إلخ .

القسم الثاني:

جوانب ثابتة الغاية والهدف ولكنها متغيرة الوسائل والأساليب والطرق التي تؤدي إلى الغاية حسب سنة الله الكونية، مثل طريقة الحكم ورسم المنهج الاقتصادي والخطة التعليمية . . . إلخ .

فهذه وضعت لها الشريعة قواعد وضوابط عامة لا يجوزالخروج عنها .

فالحكم يقوم على أصول منها: أن يكون بما أنزل الله وأن يكون بالشورى ويراعي فيه العدل وجلب المصالح ودرء المفاسد بقدر الإمكان . . إلخ .

وتركت الوسائل إلى اجتهاد الأمة، مثل كيفية تنظيم الشورى ومبايعة الحاكم وتحديد المصلحة والمفسدة . . . إلخ .

القسم الثالث:

ما سوى القسمين السابقين من الأمور المباحة التي اقتضت حكمة الله تعالى أن يتعلمها الإنسان يما أودع الله فيه من العقل، كالاكتشافات العلمية والأنشطة البشرية التي لا تدخل في حكم الواجب أو المستحب أو المكروه أو الحرام فهي من المباح .

وكشؤون الصناعة والزراعة والعمارة ومظاهر الحياة المادية وغيرها .

فهذه مسكوت عنها رحمة لا نسيانا لأنها تخضع للتجربة البشرية، وسريعة التغيروالتطورفي حياة البشر فتركت لهم .

لكنها تقع تحت الغاية الأساسية من الوجود وهي عبادة الله ، إذا توصل بها المسلمون إلى تحقيق علو كلمة المسلمين على غيرهم ورفع دين الإسلام على الدين كله .

وبالجملة فإن جوانب الحياة البشرية لا تخرج عن هذه الأقسام، وتصير الأحكام الشرعية تبعا لذلك قسمين:

1-قسم قد جاء فيه نصوص خاصة تفصيلية ثابتة، وهو في الجوانب الثابتة التي لا تختلف باختلاف الظروف إلا ما كان من متعلقات ثانوية قد تتغير كالمثال المتقدم في زكاة الفطر .

2-وقسم جاءت النصوص فيه عامة، وأمر المسلمون أن يحققوه بأي وسيلة مباحة .

من محاسن الشريعة الإسلامية:

وهذا من محاسن الشريعة الإسلامية، لأن الحياة فيها ما هو متغير ومتطور فأنزل الله نصوصها قابلة لهذا التغير والتطور ومنها ما هو ثابت فجاءت النصوص كذلك، ولهذا بقيت الشريعة صالحة لكل زمان ومكان .

ومن الأمثلة على ذلك أن الله تعالى علق بعض الأحكام على الاسم العام كالسفر ليدخل فيه كل سفر وإن كانت مدته قصيرة كسفر الطائرة مثلا وذلك ليستوعب الحكم تغير الزمان، وأمر بالإنفاق من السعة ليقبل ذلك اختلاف الزمان والمكان وأعراف الناس . وكل ذلك عمل بالشريعة كل في بابه التوقيفي وغير التوقيفي .

خلاصة مهمة:

وبهذا يتبين أن القول بأن الوسائل توقيفية يعني أن وسائل الدعوة في عهد النبوة لايجوز لأحد أن يسلك غيرها ولا يتخذ سواها للوصول إلى أهداف الدعوة الإسلامية، وهذا يقتضي أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم المجردة واجبة الاتباع وليس مباحة في الأصل، لأن الوسائل التي اتخذها صلى الله عليه وسلم هي من أفعاله، والقول بأنها واجبة الاتباع خلاف الصواب .

كما أن القول بأن الوسائل توقيفية يقتضي أن نخالف الرسول صلى الله عليه وسلم في مقصده من سلوك وسائله، لأنها في زمنه كانت تؤدي إلى مقاصده، وقد لا تؤدي في غير زمنه نفس المقاصد، وذكرنا على هذا مثال إخراج زكاة الفطر من الأصناف التي أخرجها صلى الله عليه وسلم، فلو قيل إن هذه الوسيلة في مواساة الفقير توقيفية، لأدى ذلك إلى الوقوع في حرج كبير، إذ قد لاتحصل مواساة الفقير في كل زمان ومكان بنفس الذي حصل في زمنه صلى الله عليه وسلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت