الصفحة 1671 من 3812

وهناك باب في أصول الفقه يُسمَّى (المصالح المُرْسَلة) ، وهو من أصول التشريع، وتُستخْرَج منه الأحكام عند أكثر العلماء، وهي تعني عندهم أنه إذا كانت هناك وقائع لا حُكم فيها يُشرَع فيها الحكم الذي تقتضيه المصلحة؛ لأن مصالح الناس تتجدد وتتغير، فلو لم تُستخدم المصالح المرسلة لتوقف الإسلام عن مسايرة تطورات البشر ومصالحهم، ولم يصبح صالحا لكل زمان ومكان كما أراد الله له، وذلك بشرط أن تكون مصلحة حقيقية لا وهمية، وعامة لا شخصية، ولا تحل حراما، ولا تحرم حلالا، ومن أشهر أمثلة ذلك جمع الصحابة الكرام للقرآن الكريم في المصحف حماية له وحفظا، وهو ما لم يكن على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

ومن هنا فللمسلمين أن يسنوا من الأنظمة - التي قد تتخذ شكل قرار أو لائحة أو قانون - ما تقتضيه الحاجة، تنفيذا لنصوص وردت بضرورة تحقيق مصالح عامة، ولنضرب مثلا بقوانين تنظيم المرور في الشوارع العامة، فإن الحديث الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه:"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام" [رواه البخاري] ، ويوجب علينا هذا الحديث المحافظة على دمائنا وأبشارنا وأعراضنا؛ لذلك كان على المسلمين أن يضعوا التشريعات ويسنوا القوانين والتنظيمات التي تكفل سلامة الأبدان والأموال.

أخي الحبيب، لا نبالغ إذا قلنا (مجازًا) أنَّ البشر أيضا هم"صُنَّاع الأقدار"، خيرها أو شرها، بعضها أو أكثرها، وإليك بعض الأدلة التي تطمئنك:

يقول تعالى: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) ، قال الإمام القرطبي:"أي نفع إحسانكم عائد عليكم وإن أسأتم فلها أي فعليها".

ويقول سبحانه: (قل هو من عند أنفسكم) ، قال الإمام ابن القيم في كتابه"زاد المعاد":"أعمال العبد تسوقه قسرا إلى مقتضاها من الخير والشر".

ويقول تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) ، قال الإمام السيوطي في تفسيره (الدر المنثور) :"أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: نقصان البركة بأعمال العباد كي يتوبوا"، فإذا ما رجعوا وتابوا وأحسنوا وفعلوا الخير والصواب، غيَّروا أحوالهم وأقدارهم إلى الأحسن، كما يُفهم من قوله تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذَّبوا..) .

إذن فالبشر - أخي الحبيب - يصنعون كثيرا من أقدارهم (مجازا) ؛ لأن الأقدار كلها بيد الله عز وجل وحده.

أما عن حوارك - أخي الحبيب - مع هذا الشاب، فالأمر أبسط مما تتوقع، فالإيمان سهل جدا؛ لأنه موجود أصلا في فطرة كل مخلوق، كما يؤكد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه المعروف:"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصرِّانه أو يمجِّسانه: [رواه البخاري] ؛ ولذا فهو سيبذل جهدا كبيرا خارقا إذا أراد أن يكفر، أي إذا أراد أن يُغطِّي هذا الإيمان؛ لأن معنى الكفر أصلا هو التغطية لما هو موجود، كمحاولة فاشلة يائسة لإخفائه."

والمطلوب منك إيقاظ الفطرة والعقل المُنصِف، فقط بإزاحة ومنع التعقيدات والأسئلة الفلسفية التي يضعها مثل هؤلاء، ويقيدون بها العقل السليم والفطرة السليمة، ثم يحاولون بعد ذلك ويجاهدون من أجل الإجابة عليها، رغم أنهم لو تجاهلوها من الأصل - وهي التي مِن وضعهم وتفلسفهم - لوضحت لهم الحقائق بمنتهى السهولة واليُسْر، وهذا هو الذي علمنا إياه الحق تبارك وتعالى في هداية خلقه، وهذا هو ما طلبه منا ووجهنا إليه عند التعامل مع مثل هؤلاء كما يقول: (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا) ، إذ الإنسان مع الغير قد يكابر، أو يعاند، أو يحاول إثبات صحة فكره ونجاحه وفشل مَن أمامه، أما مع نفسه، أو مع واحدٍ ثقة، فليس حول فطرته ولا عقله أي ضغوط، وبالتالي فاحتمالية عودته للخير والصواب تكون كبيرة، وهذا هو الطلب الأول.

أما الطلب الثاني، فهو نصحه وتوصيته بأن يقرأ القرآن الكريم، حتى ولو كما يقرأ أي كتاب آخر، أي حتى ولو من باب الثقافة العامة، وليس من باب البحث عن التكليفات؛ لأن هذا الإحساس بالتكليف قد يعوقه عن القراءة خوفا من التكليف والتقييد، فإذا قرأه دون توتر، فسيهتدي بكل تأكيد كما اهتدى كثيرون قبله؛ لأن القرآن هو أفضل مَن يحاور ويُقنع ويخاطب العقل والفطرة.

ثم اطلب منه أثناء القراءة أن يتدبر في مخلوقات الله تعالى من حوله، وإبداعه سبحانه في خلقها، وسينطلق بكل تأكيد داخله نداء الفطرة والعقل:"أنَّ الذي خلق كل هذا هو الله يقينا"؛ لأنه نداء طبيعي موجود في كل لحظة، ولكن الإنسان باختياره يتجاهله ويحاول الابتعاد عنه أو إخماده، ثم الفطرة لما خلقها خالقها الكريم الودود جعل من خصائصها أن تطلب للإنسان ربا يُربِّيه ويرعاه ويعينه ويوفقه؛ ليحيا بذلك متواصلا معه على الدوام، فيكون مطمئنا سعيدا، فمن عاند هذا الطلب عاش كئيبا تعيسا قلقا متوترا، كما أوضح ذلك ربنا عز وجل في قوله: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا) .

والمطلب الثالث والأخير منك أخي الحبيب، دوام التواصل مع هذا الشاب دون حوار كثير، وليكن الحوار بين الحين والآخر، وعلى فترات متباعدة، وبالبساطة والأدلة العقلية، وعليك بحسن المعاملة، واجتهد في الدعاء له، ثم عليك أن تكون قدوة حسنة له في كل أقوالك وتصرفاتك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت