فهرس الكتاب
ومن كلامك أختاه يظهر أنك قد اختلطت حديثًا بواقع جديد، وهكذا هي بدايات الناشئة بعد أن يمُنّ الله عليه بسلوك طريق الهداية. وكل طريق لا يخلو من صعوبات، فكيف بدرب الجنة وميادين الحق، وصولات المجاهدين للفوز بالنصر ووسام الإصلاح؟!.
إن أول ما أهديه لك من النصائح هو أخذ فرصتك في التعرف على واقعك ومحيط دعوتك الذي أبحرت فيه حديثًا، ببصيرة وبعمق وبفهم، وثباتك يكون بمدى تزينك بالصبر الجميل، الصبر في الحوار وعند اتخاذ أي قرار، في النقد والثناء، في النصح سرًّا وفي القول جهرًا.
أختي الحبيبة، إن الوضع في فلسطين المحتلة (خاصة داخل الخط الأخضر) له خصوصيته، إذ يؤثر الوضع السياسي على صميم الدعوة، ويدخل في حياة المسلم اليومية، وخاصة حياة الملتزمين الذين اختاروا السير في قطار الدعوة.
في بداية التسعينيات من القرن الماضي، طُرِحَت داخل الحركة الإسلامية مسألة شرعية الدخول إلى الكنيست الصهيوني بدافع خدمة الفلسطينيين في المناطق المحتلة داخل الخط الأخضر والتأثير على المجتمع اليهودي في صنع القرار، وكان أن تبنى جناح من الحركة فكرة الدخول للكنيست ودافع عنها، بينما رفض الجناح الآخر هذه الفكرة، وكان لكل من الجناحين في الحركة وجهة نظر خاصة به، نابعة من دراسة شرعية ونظرة سياسية في الموضوع، وانتهى الوضع بقرار تقسيم الحركة الإسلامية إلى قسمين، ومنذ ذلك الوقت تابع كل من القسمين خط سيره الذي لم تُؤثِّر فيه شوائب الخلافات التي يحاول البعض زرعها لإبعاد المسلمين عن الانتساب لأي من الحركتين، وترفعت القيادتان وكثير من الدعاة عن هذه المحاولات التي أرادت اغتيال الدعوة لتفسد الناس وتحقق مطامع الاحتلال الصهيوني.
لكن رغم ذلك اختلطت الأمور على بعض الجاهلين بأصول الاختلاف، وأفسدوا وظلموا بتشددهم وتعصبهم تجاه أحد أطراف الحركة، وهؤلاء لم ينضج فيهم أن الداعية إنما يجتمع بإخوانه ليعاونوه على مشقة الطريق، وليس ليزرع بيديه الفتن ليحصد الناس جميعًا ثمار الخلاف.
إن النفس البشرية لا تألف الانقسامات والانشقاقات، خاصة إذا كانت المساحات المشتركة أكبر من المساحات المختلف عليها، ويشعر المسلم بثقل تقبل فكرة وجود حركتين إسلاميتين في بلد مثل فلسطين يعاني من بطش الاحتلال، فلا أختلف معك أختي بذلك، وأوافقك أنه موقف لا يُحسَد عليه الملتزم المتطلع للانتساب للدعوة، فينظر حوله ويحتار أية جهة يختار؟!.
لكن تعالي بنا وإياك ندرس بعض التفصيلات في حيثيات الوضع في فلسطين، حتى نصل إلى نتيجة واحدة.
إن الحركتين ناشطتان في مركزين: واحدة في شمالي البلاد، والأخرى في الجنوب منها، ولكل منها مؤسساتها الخاصة، ومن ضمنها المؤسسات التي تُعنى بالطلاب الأكاديميين كما تفضلت. ولكل واحدة تنظيمها وبرنامجها التربوي، ورؤيتها الخاصة. والمصالح الدعوية لا يمكن أن تتعارض أبدًا، لكن الأهواء هي التي تسبب الصدام، وتضيق الأفق، وهذا ما يجب أن نتخلص منه ليبقى بحر الدعوة نقيًا، تعكس أمواجه نقاء قلوب أهلها والعاملين فيها.
ذكرتِ لنا أختي أن العمل الدعوي في الجامعة التي تدرسين فيها مشترك بين الحركتين، وحتى الآن سارت السفينة بمحاولة الموازنة والتعامل مع كلاهما بالعدل، بما يُلائم مصلحة الدعوة. والآن ترين أن المشكلات أصبحت تعلو الصيحات فيها، وأن بعضهم يطرح مسألة الانشقاق والعمل المنفصل.
وهنا أريد طرح نقاط مركزية من خلال ما عشته واقعًا:
-إن الرؤية الموحدة، والتمسك بوحدة الصف الإسلامي، والحفاظ عليه قويًّا أمام الأحزاب والانتماءات الفكرية الأخرى، هو من معالي الأمور، ومن أهم المصالح وأنقاها. وعلينا جميعًا أن نتزين بهذه الرؤية ونفهمها ونطبقها، قولًا وعملًا، لكن إذا كان حوار، ورأى البعض ضرورة الانقسام، فهذا لا يعني بالضرورة ضيق أفق وتعصب صاحب هذا الرأي تجاه تيار معين، فقد يكون رأيه سديدًا، ولهذا علينا التريث في الحكم على الأمور وسماع الآراء حتى النهاية.
-مما جاء في فقه الدعوة والتعامل مع القضايا الشائكة، أن الحلول التوفيقية لقضايا الفتن لن تفعل شيئًا غير انفجار الموقف، مثل قربة الماء كثيرة الثقوب، لا تدري بعد ترقيعها متى تنفجر!. إنها معادلة صعبة، والفصل مع قسوته قد يكون أفضل وأكثر تحقيقًا لمصالح الجماعة، فالمعالجة الظاهرية لا تُجدي؛ لأن محاولات الباطن ستظل تعمل وتنخر بعيدًا عن أنظار المراقبين من الخارج.
ولا أعني بكلامي هذا أني أؤيد الانقسام في هذه الحالة التي طرحتها، إنما أطرح نقطة مركزية مما يجب فهمه خلال تعاملنا مع دعوتنا، وتفهم بعض القرارات التي قد تكون أنفع من الحلول الآنيّة.
-أعتقد أن الحلول العاطفية - في الدعوة أو في غيرها - تضر ولا تفيد، علينا أن ننظر إلى جذور المشكلات، ونتدارسها، ونتشاور في كيفية حلها، وحريُّ بنا أن ننزل إلى أصول البلاء لنحل مشكلاتنا، لا أن ننظر إليها نظرة المشفق والمتعاطف، وهي تنزف وتتألم وتجرح فينا!.
-إن الأسس والقيم التي نتعلمها من علمائنا وقادتنا والمربين الأفاضل، يجب أن تبقى معانيها راسخة فينا، وذلك بمحاولة تطبيقها قدر الإمكان في ميدان العمل، ما داموا على حق، لكن يجب أن نعلم أيضًا أنهم بشر، وليسوا بمعصومين عن الخطأ، ودورنا أن نقدر المسائل ونضعها بميزان المصالح والمفاسد، لا أن نأخذ كل رأي على أنه لا مجال للاجتهاد فيه، مع الوضع في الاعتبار أن الاجتهاد له أصول، وللشورى دور، وللتوكل نصيب، وصاحب القرار الحامل للأهواء عقابه مضاعف، فمن سن سنة سيئة، عليه وزرها ووزر من عمل بها.