الصفحة 1678 من 3812

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله مقلب القلوب، مفرج الكروب، غافر الذنوب، وقابل التوب الذي خلق كل شيء بقدر، وجعل الدنيا دار اختبار لمن شاء أن يتقدم أو يتأخر.

أختي الحبيبة المباركة هند، حقيقة قرأت مشكلتك مرات ومرات وما ازددت إلا دعاء لك ولمثيلاتك ممن يحملن في نفوسهن حب الدعوة والعيش في ذلك المحضن الرباني المبارك، ونهيب ببنات وشباب الأمة اليوم أن يكون لديهم نفس الميول لديك، ويشعرون بمسؤولية في إبلاغ الإسلام والدعوة إلى الله، راجية من الله لك تحقيق أمنيتك والنجاح في مسيرتك وتحقيق هدفك على نور وبصيرة.

وقبل أن أبدأ في الإجابة على تساؤلك دعيني أولا أوجز بعض ما جاء في استشارتك كالآتي:

_ نفسك التوّاقة للسير في درب الدعوة.

_ الأمنية (في الدعوة) بين الخوف والفشل.

_ معالجة بعض العيوب في شخصيتك.

_ كيفية البدء في الدعوة والقواعد الهامة.

وفي البداية أستشهد بقول عزيز حكيم في قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت: 30) .

ابنتي الحبيبة، إن الدعوة إلى الله من أشرف المهام، وخير ما يقدم عليه العبد؛ وذلك لكسب مرضاة الله والفوز بالجنة والنجاة من النار، ولا ننسى أن هذه هي وظيفة الرسل الكرام، يقول صلوات ربي وسلامه عليه:"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا"؛ فالدعوة إلى الله تحتاج إلى العمل لله عز وجل وإصلاح النفس وتهذيبها وتزكيتها.

فتعمّقي معي في هذا القول المأثور لأحد السلف:"المؤمن كالسراج، أينما وضع أضاء"؛ فكوني بدعوتك كهذا السراج يستضاء به في عصر الغافلات والكبوات.

أما أساليب الدعوة إلى الله ومناهجها وطرقها فتستمد من مصادر كثيرة، أهمها كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودعوة سلفنا من صحابة وتابعين، نوجزها كالتالي:

-الإخلاص في الدعوة (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله) .

-التوكل على الله والاستعانة به في كل حركاتك وسكناتك وفي دعوة الناس إليه (إن الله يحب المتوكلين) ، ويحب الذين يركنون إليه بعد العزم، ويفتخرون بالانتماء إليه عن وعي ودراية.

لذا فعليك:

-بالصبر عند كافة أحوال التذكير بالله تعالى والتذكير بالحق؛ فعلى الداعي إلى الله تعالى أن يكون صبورا عند الدعوة إلى الله مهما لاقى من أذى وإزعاج، مستسلما لحكم ربه عز وجل، راضيا بقضائه وقدره، واعلمي أن الصبر والتقوى طريق العز والتمكين لقوله تعالى: {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (يوسف: 90) .

-الاهتمام بتربية النفس، والارتقاء بقدراتك وعلمك وأخلاقك، وينبغي أن تعوّدي نفسك على استثمار الوقت بكل وسيلة ممكنة والقراءة الواعية المثمرة المتنوعة.

-المطالعة والقراءة وتثقيف نفسك قدر الإمكان، وقراءة كتب الصالحين، وكيف كانت دعوتهم إلى الله، أيضا الاستماع للعديد من الأشرطة التي تبين وتوضح السبيل الصحيح للدعوة إلى الله والسعي دوما إلى:

-حضور الدروس الشرعية المناسبة.

-سماع الأشرطة النافعة في الدعوة والوعظ والتربية.

مع تصفح الاستشارات الموجودة في الموقع لما بها من جوانب تربوية ودعوية توجيهية لمن أرادوا أن يخوضوا غمار الدعوة.

والآن ننتقل إلى نقطة مهمة وردت في استشارتك وهي العيوب والخوف بين الأمنية والفشل.

ابنتي الحبيبة، من منا ليس له عيوب؟! ومن منا لا يخطئ؟! فالخطأ طبيعة بشرية، وهناك سكن بل وتعزية في حديث الرسول -عليه الصلاة والسلام-:"كل ابن آدم خطاء.. وخير الخطاءين التوابون"؛ فاعملي جاهدة ابنتي أن تنفقي وقتك في طاعة ربك وذكره، وفي تلاوة القرآن، وتعلم العلم النافع، وفي الدعوة إلى الله، وحسن العبادة والإكثار من النوافل، والأهم من كل هذا الالتزام بأخلاق الشرع الذي يقوِّم الشخصية خير تقويم، وهو الذي يؤدب النفس، ويهذب سلوكها، ويعالج أمراضها، قال الله سبحانه: {قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ} (يونس: 57) .

فالتخلق بأخلاق النبوة، والتمثل بها هو سبيل قويم للترقي بالشخصية الإسلامية، وتنميتها على الصراط المستقيم؛ فقد قال ابن القيم رحمه الله:"أعظم الربح في الدنيا أن تشغل نفسك كل وقت بما هو أولى بها، وأنفع لها في معادها؛ فكيف يكون عاقلا مَن باع الجنة بما فيها بشهوة ساعة، وإياك أن تقنعي نفسك بأن الفشل سيكون عائقا في دربك؛ بل انتفضي على تفكيرك بالفشل، واجعلي البدء في دعوتك جسرا للنجاح والصعود إلى الأعلى، وتأملي معي قول أحدهم:"

جرِّب من العزمِ سيفا تستعين به إن الترددَ باب الضعفِ والكسلِ

والسعي حتى وإن أفضى إلى خطأ خيرٌ من الجُبن والتشكيكِ والوجلِ

ساءَ الفتور ولو سميته حذرا ما أصغر الفرق بين الموت والشللِ

مجد الحياة لمن يبغي مقتنعا ما من نجاحٍ إذا فكرت بالفشلِ

ولتحولي التفكير بالخوف من الفشل إلى نجاح وعلو، اطرقي دوما باب الرحمن، وأكثري الدعاء، واجعلي وردا للمحاسبة والمراجعة لجوانب التقصير والتصدي لها، وإياك والتراجع والانهزامية، وتوكلي على الله (إن الله يحب المتوكلين) .. ذلك هو العلاج النفسي الإلهي للنفوس البشرية المحبطة ذات التجارب غير الموفقة، والتي يقابلها عزم وإصرار وتوجه وتوكل، ومن ثم حب إلهي مصحوب بالاستجابة، فاستعيذي بما استعاذ به النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ومن العجز والكسل".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت