فهرس الكتاب
حبيبتي.. اجلسي جلسة مصارحة مع نفسك، وحدثيها جيدا بصراحة شديدة، واعلمي أنه ليس هناك من يراك، فلا أحد معك؛ لذا ستكون الصراحة هنا كاملة، ثم ابدئي في سرد أخطائك، وحدديها جيدا، وهذا سيكون سهلا من خلال تنويه صديقتك لها، ومن خلال نفسك أيضا؛ فكلنا يعرف عيوبه، ولكنه يغمض عينيه عنها، ثم دونيها في ورقة، واتركيها، واذهبي إلى تدوين مميزاتك في ورقة أخرى.
وعندما تنتهين من هذا، اجلسي وضعي ميزاتك وعيوبك أمامك وانظري إلى عيوبك أولا لأنها هي الأهم، وادرسيها جيدا، وتخيلي أنها ليست فيك بل في واحدة أخرى، ثم حاولي أن تضعي حلولا لها، وكذلك مميزاتك حددي كيف تقوينها. وبعد أن تنتهي من هذا ابدئي في مرحلة التنفيذ فطبقي كل ما دونته علي نفسك، بالطبع سوف تواجهك صعوبة، ولكن لا تيأسي؛ فكوني قوية الإرادة، ولا تنسي أنك مَن حدد الحل لعيوبك، والسبيل لتقوية مميزاتك، والرغبة القوية في التغيير.. كل هذا سيساعدك كثيرا في القضاء على هذه العيوب وتحويلها لمميزات بمشيئة الله تعالى.
اعلمي عزيزتي أنك أنت فقط من يقدر على إصلاح ما بك من عيوب وليس الآخرون، ثم حددي إذا كنت تريدين حقا العمل في مجال الدعوة، فعليك عقد النية الخالصة لله تعالى في دعوتك وابدئي الطريق، مستعينة بالله تعالى، ولا يؤيسنك ما يعترض طريقك وحياتك من بعض الذنوب بحكم طبيعتك البشرية، ولا تعطي الشيطان فرصة لإقعادك عن الدعوة بذه الحجة.
أسأل الله أن يوفقك ويسدد خطاك، وأن يجعل طريقك طريق الخير والحق دائما، وأن ييسر لك الخير حيث كان ويرضيك به.
"أخشى أن أورطهم في حفظ القرآن"!
لقد حفظت من القرآن أكثر من 15 جزءا في إحدى دور القرآن، ولكن معلمي كان للأسف لا يهتم بالمراجعة، ولهذا فقد نسيت أغلب ما حفظت، وخلال فترة حفظي قمت بناء على طلب من معلمي بتحفيظ عدد من الأطفال القرآن الكريم، وأنا الآن في حيرة من أمري، خاصة بعدما علمت أن نسيان المحفوظ من القرآن يعد معصية كبيرة، وأنا لا أعلم هل أتوقف عن تحفيظ الأطفال للقرآن؟ فأنا أخشى أن أورطهم في حفظ القرآن بينما سينسى عدد كبير منهم ما حفظ حين يكبر؛ فأكون قد أوقعته أو أوقعت نفسي في ذنب كبير.
أرجو الإفادة هل أتوقف عن تحفيظ هؤلاء الأطفال؟ وإن كنت سأستمر فما هي الطريقة المثلى لتحفيظهم؟ وهل أهتم بالتجويد أم لا؟ خاصة أن أعمارهم تتراوح من 6 و12 سنة. وجزاكم الله خيرا.
…السؤال
الدعوة العامة, جمهور الدعوة …الموضوع
فريق الاستشارات الدعوية…المستشار
……الحل …
…يقول الشيخ سمير حشيش:
بسم الله الرحمن الرحيم، الأخ الكريم أحمد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وبعد..
نتوقف في رسالتك عند عدة أمور، أولها حكم نسيان القرآن الكريم، وثانيها سؤالك هل تتوقف عن تحفيظ الأطفال أم تستمر؟، وآخرها الطريقة المثلى لتحفيظ الأطفال في حال استمرارك في هذا المجال، وأقول وبالله التوفيق:
أما حكم نسيان القرآن ففيه تفصيل؛ إذ لا بد أن نفرق بين أمرين؛ الأول نسيان القرآن بمعنى النسيان الحقيقي المتبادر لذهن الناس، وهو في هذه الحالة ينصرف إلى نسيان اللفظ وتفلته من ذاكرة الحفظ لدى الشخص، والثاني نسيان القرآن بالمعنى المجازي للنسيان؛ أي تركه وهجره وعدم تطبيق أحكامه وأوامره.
والمعنى الأول للنسيان ليس مقصود الوعيد الوارد في القرآن والسنة على الراجح من قول العلماء، خاصة إذا كان الإنسان يجتهد في استذكاره لكنه يتفلت منه لضعف ذاكرته أو كثرة همه؛ إذ كان الصحابة ينسون بعض الآيات من حفظهم؛ فمثلا ثبت متواترا أن الآيتين الأخيرتين من سورة التوبة -حين كتابة المصحف- لم يكن يذكرهما أحد من الصحابة إلا سيدنا خزيمة بن ثابت الذي جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شهادته بشهادة رجلين؛ فأثبتتا في المصحف بناء على شهادته، ولا يعقل أنه لم يسمعهما من الرسول غيره؛ فتعين أن يكون بعضهم نسيهما بالفعل.
بل ثبت ما هو أشد من ذلك، ولا تعجب حين تسمع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نسي بعض آيات من القرآن مما لم ينسخ، بل كان نسيانه لها نسيان لفظ وتذكر كما يحدث لكل البشر؛ فقد ثبت في الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلا يقرأ القرآن بالليل، فقال:"يرحمه الله فقد أذكرني آية كذا وكذا كنت أنسيتها". وكذلك أخرج مسلم عن عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع رجلا يقرأ من الليل فقال:"يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا، آية كنت أسقطتها من سورة كذا وكذا".
وإن عمدة ما يستدل به الذين يجعلون نسيان لفظ القرآن من كبائر الذنوب هو آيتا سورة طه التي يقول الله تعالى فيهما: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا} (طه: 124، 125) ، وإليك أقوال العلماء في هذا الأمر:
قال ابن كثير في قوله تعالى: (قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْك آيَاتنَا فَنَسِيتهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْم تُنْسَى) :"أَيْ لَمَّا أَعْرَضْت عَنْ آيَات الله وَعَامَلْتهَا مُعَامَلَة مَنْ لَمْ يَذْكُرهَا بَعْد بَلاغهَا إِلَيْك تَنَاسَيْتهَا وَأَعْرَضْت عَنْهَا وَأَغْفَلْتهَا، كَذَلِكَ الْيَوْم نُعَامِلك مُعَامَلَة مَنْ يَنْسَاك... فَأَمَّا نِسْيَان لَفْظ القرآن مَعَ فَهْم مَعْنَاهُ وَالْقِيَام بِمُقْتَضَاهُ فَلَيْسَ دَاخِلا فِي هَذَا الْوَعِيد الْخَاصّ وَإِنْ كَانَ مُتَوَعَّدًا عَلَيْهِ مِنْ جِهَة أُخْرَى.."