فهرس الكتاب
أما القرطبي فقال: أَيْ قَالَ الله تَعَالَى لَهُ"كَذَلِكَ أَتَتْك آيَاتنَا"أَيْ دَلالاتنَا عَلَى وَحْدَانِيّتنَا وَقُدْرَتنَا. فَنَسِيتَهَا أَيْ تَرَكْتهَا وَلَمْ تَنْظُر فِيهَا، وَأَعْرَضْت عَنْهَا. وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى أَيْ تُتْرَك فِي الْعَذَاب؛ يُرِيد جَهَنَّم.
ولم يخرج الطبري عن هذا المعنى حيث قال: وَقَوْله:"قَالَ كَذَلكَ أَتَتْك آيَاتنَا فَنَسيتهَا"يَقُول تَعَالَى ذكْره, قَالَ الله حينَئذٍ للْقَائل لَهُ:"لمَ حَشَرْتني أَعْمَى وَقَدْ كُنْت بَصيرًا"فَعَلْت ذَلكَ بك؛ فَحَشَرْتُك أَعْمَى كَمَا أَتَتْك آيَاتي، وَهيَ حُجَجه وَأَدلَّته وَبَيَانه الَّذي بَيَّنَهُ في كتَابه، فَنَسيتهَا: يَقُول: فَتَرَكْتهَا وَأَعْرَضْت عَنْهَا، وَلَمْ تُؤْمن بهَا، وَلَمْ تَعْمَل"..."
وقد ورد حديث في هذا المعنى، وهو إما محمول على أن النسيان هو ترك العمل بالقرآن كما فسرت الآية، أو أن المقصود بالنسيان هو المعنى الحقيقي له، وأيا كان المراد فإن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة، قال النووي في"مختصر التبيان في آداب حملة القرآن": ... وأنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قال:"مَنْ قَرَأَ القرآن ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ الله تَعَالَى يَوْمَ القِياَمَ أَجْذَم"، ثم عقب بقوله:"إسنادهُ ضعيف".
يدل هذا كله على أن النسيان الحسي المعروف عند الناس وهو عدم التذكر ليس مقصودَ الوعيد في القرآن أو السنة، ولكن شرط ذلك ألا يقصر الإنسان في تعهد القرآن بالمراجعة والاستذكار؛ فإن قصر في مراجعة حفظه واستذكاره فلا شك أنه داخل في دائرة الإثم والتقصير؛ لأنه بذلك يخالف أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بتعهد القرآن؛ فقد أخرج مسلم في صحيحه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:"بئسما لأحدهم يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نُسي، استذكروا القرآن فلهو أشد تفصِّيًا من صدور الرجال من النعم بعقلها"، وأخرج أيضا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:"إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت".
قال أبو عبيد: وأما الذي هو حريص على حفظه، دائب في تلاوته إلا أن النسيان يغلبه؛ فليس من ذلك في شيء بدليل ما روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلا يقرأ القرآن بالليل، فقال:"يرحمه الله فقد أذكرني آية كذا وكذا كنت أنسيتها".
ولعلي بذلك أكون قد أوضحت الأمر وأجليته لك، وللمزيد حول هذا الأمر يمكنك مطالعة الفتاوى التالية:
-الانصراف عن حفظ القرآن مخافة الإثم
-نسيان القرآن بعد حفظه
-ما حكم نسيان ما حفظ من القرآن
-حفظ القرآن ونسيانه
وأما سؤالك: هل تتوقف عن تحفيظ الأطفال أم تستمر؟ فأرى أنه سؤال لا محل له، وأن الطريقة التي فكرت بها ما هي إلا تلبيس من الشيطان ليقعدك عن عمل الخير، ولعلك تعتذر بأنك كنت تظن أن نسيان لفظ القرآن من الكبائر، وأنك لا تريد للأطفال الذين تحفظهم أن يقعوا في الكبائر بسببك، وأقول لك: حتى لو كنت تظن ذلك فلا يليق بالمسلم ترك الصالحات خوفا من محظور في الغيب، بل الأجدر به أن يعمل الصالحات، ويجاهد نفسه ألا يقصر أو يرتكب المحرمات، وأن يحافظ عليها ويربيها عند الله.
وبدلا من أن تتعلم من تجربتك مع شيخك أن تترك تحفيظ الأطفال الأولى بك أن تتعلم كيف تتفادى ما وقع فيه شيخك معك، أم تراني لست على حق؟!.
وأما الطريقة المثلى لتحفيظ الأطفال فلا نستطيع تعميم قاعدة في هذا المقام؛ إذ لكل طفل ما يميزه عن أقرانه، وربما ما يصلح لواحد لا يصلح لآخر، لكني أقترح عليك بعض المقترحات، سائلا المولى -عز وجل- أن تنفعك وتنفع من يقرؤها وأن ينفعني بها يوم الدين:
1-قلل من كمية المحفوظ: بحيث يقوم الطفل من أمامك وقد كاد يحفظ ما ردده معك، وبذلك تحصل على نتيجة جيدة بأقل جهد من المتابعة في البيت من الوالدين أو غيرهما، إن شاء الله تعالى، والقليل إن داومنا عليه أنجزنا، وهو خير من كثير يرهق ثم يكون بعده الانقطاع.
2-ركز على النطق الصحيح: لأن الطفل غالبا ما يظل يقرأ بنفس الطريقة التي لُقنها في المرة الأولى، باستثناء أطفال ما قبل المدرسة -إن جمعك بهم القدر- فيمكن التجاوز معهم عن بعض صور الخطأ في النطق والتي لا يستوعبون تصحيحها؛ فمثلا قد تسمع بعض الأطفال -في سن ما قبل المدرسة- يقرءون: غير المغضوب عليهم ولا"الضاليم"، وقد حاولت مع أحدهم مرارا أن ينطقها نونا فلم أفلح، وما استطاع تصحيحها إلا بعد زمن.
3-احرص على الدوام اليومي: فلا بد من درس التحفيظ يوميا، ويمنح الطفل يوما واحدا فقط إجازة أسبوعية؛ فذلك أدعى لدوام معايشته لما حفظه.
4-كلف الأطفال بكتابة ما يحفظون: فالكتابة من أكثر الأساليب تثبيتا للذاكرة.
5-داوم على مراجعة ما تم حفظه معهم: فيجب أن يراجع الطفل كل ما حفظه مرة على الأقل في الأسبوع مراجعة تسميع.
6-مر الأطفال أن يؤدوا الصلاة بما يحفظون في كل يوم: فالقراءة في الصلاة تعين الشخص على التذكر، وتقلل كثيرا من فرص النسيان، وكثيرة هي الآيات التي يحفظها عوام الناس بسبب تكرارها على مسامعهم في الصلاة.
7-تعامل بالثواب كما تتعامل بالعقاب: فاحرص على إثابة المجتهد كما تحرص على عقاب المقصر، ولو بأقل القليل؛ فقد يرضي الطفل مثلا أن تضع له في كراسته علامة نجمة (*) أو تكتب له"ممتاز"، أو تهديه قطعة حلوى، أو تقول له أمام زملائه"أنت متفوق"، أو أن تجعل زملاءه يصفقون له... إلخ.