الصفحة 1696 من 3812

…الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبعد ..

شكر الله لكم، وجزاكم خيرا كثيرا على حبكم لإسلامكم وحرصكم عليه، وعملكم به وله.

وقبل أن أبدأ حديثي إليك أخي، أحب أن أؤكد على مفهوم يجب أن يرسخ في ذهنك وفي ذهن كل من يسافر إلى بلاد الخليج أو غيرها من بلاد المسلمين، وهو أنه ليس بمتوجه إلى أرض لم تعرف الإسلام بعد، بل إنه ذاهب إلى أرض مسلمة، وقوم مسلمين، ومنهم وبينهم الكثير من الدعاة الفضلاء، والكثير من المؤسسات والمراكز الدعوية، والتجمعات النشطة في مجال الدعوة، وهذه المقومات الموجودة بالفعل يجب عليه ألا يتجاهلها أو يعتزلها، بل عليه أن يتفاعل معها ويتعاون في سبيل القيام بعمل دعوي متميز يعود بالخير عليه وعلى من يتعاون معه وعلى المدعوين.

كما عليه أيضًا أن يحدد وجهته في الدعوة، وهي دعوة المسلمين إلى التمسك بتعاليم الإسلام، لتسود قيمه السامية وشرائعه المنزهة المجتمع، وتلتحم بكل جوانبه.

أخي الحبيب، إن الدعوة وسط الغرباء ليست غريبة أو جديدة، لقد قام بها من قبل الصحابة الكرام، قاموا بها في الحبشة عند هجرتهم إليها، وكان على رأسهم جعفر بن أبي طالب، وقام بها مصعب بن عمير عند هجرته إلى المدينة المنورة، وقام بها كثير من الدعاة مجتمعين ومنفردين خلال رحلاتهم التجارية المتعددة الصيفية والشتوية إلى الشام واليمن وآسيا وأفريقيا وغيرها. لقد دعوا لله تعالى وللإسلام في غربتهم، وحققوا نجاحات واسعة.

وبدراسة وتحليل كيف كانت دعوتهم يمكن استنتاج وسائلها وأسباب نجاحها للاستفادة منها ولتطبيقها، وأهمها:

-رفع الواقع:

فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجرين للحبشة - كما جاء في سيرة ابن هشام:"لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يُظلم عنده أحد"، فهو صلى الله عليه وسلم وصحابته قد قاموا - على قدر ما أمكنهم - بدراسة تفاصيل الموطن الجديد، حتى يمكنهم التعامل معها بحكمة ليحققوا أفضل النتائج بأقل الجهود.

-التجمُّع:

فيعين بعضهم بعضا - بعد الله تعالى - ويقويه، فقد كانوا بضعة وثمانين رجلا وامرأتين، وكان العائدون للمدينة مسلمين مع مصعب اثني عشر رجلا، فجاءوا في حج العام التالي سبعين رجلا وامرأتين.

-الإسعاد:

فقد حَمَلوا السعادة للآخرين، حيث وجدوها عندهم، وقد طال بحثهم عنها، إذ الناس بفطرتهم يبحثون عما يسعدهم، ولم يجدوا ذلك كاملا قلبيا وجسديا فيما هم فيه من تشريعات وأنظمة بعيدة عن ربهم، فوجدوه في أخلاق الإسلام. وهذا يتضح وُيفهم من قول جعفر بن أبي طالب للنجاشي رضي الله عنهما:"كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم، ونهانا عن الفواحش، فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله".

-القدوة:

فهُم على أرض الواقع مختلفون عن بقية الناس، هم سعداء، منتعشون، مستبشرون، أقوياء، نظيفون، منظمون، طيبو الرائحة، متحابون، متآلفون، متعاونون، وفيُّون، أمناء، متشاورون، متسامحون، مسالمون.. إلى غير ذلك من الأخلاق الإسلامية الحسنة، والتي تدفع حتما مَن حولهم للتساؤلات الطبيعية: َمن هؤلاء؟ ومن يقودهم؟ وأي نظام يحركهم؟!.

فلما يعلموا أنهم المسلمون، وقائدهم هو محمد صلى الله عليه وسلم، ودينهم الإسلام، يتبعونه ليسعدوا مثلهم في دنياهم وآخرتهم. هكذا بكل سلاسة وبساطة وسهولة؛ لأنه المفعول الساحر للقدوة الحسنة، والذي يُفهم من قوله تعالى:"لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر" [الممتحنة: 6] .

-الصدق والوضوح:

فهما مصدران هامان من مصادر إذابة الشك والقلق، وبالتالي التفاهم والتقارب مع الغير، كما يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم:"الصدق طمأنينة والكذب ريبة" [أخرجه الترمذي] ، وكما يتضح من كلام جعفر حينما أراد رسولا قريش أن يوقعا بين المسلمين وبين النجاشي، فقالا:"أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيما"، فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون، فأجاب جعفر بكل صدق ووضوح وحق:"نقول فيه الذي جاءنا به نبينا محمد، يقول: هو عبد الله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول"فضرب النجاشي بيده الأرض، فأخذ منها عودا ثم قال: والله ما عدا عيسى ابن مريم مما قلت هذا العود. [سيرة ابن هشام] . فبصدقهم ووضوحهم نجَّاهم الله وحفظهم وأمَّنهم وأسعدهم، وعلى أيديهم أتمَّ هداية النجاشي.

-الحوار المُقِنع:

فهو رمز الحكمة، والموعظة الحسنة، وحُسن العرض، التي وصانا بها الله تعالى عند دعوتنا، وهو وسيلة أساسية لتحريك العقول المُنصِفة، وقد اتضح جدا في حوار جعفر السابق، والذي كان إجابة لسؤال النجاشي:"ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا في دين أحد من الملل؟!."

-استخدام القرآن والحديث:

وذلك بما يناسب الموقف، ففيهما الإقناع كله، والصدق كله، والتحريك الكُلي الصحيح المناسب للفطرة والعقل، فقد أورد جعفر بعضا من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، وقرأ على النجاشي مقدمة سورة مريم، والتي هي أنسب ما يناسبه (حيث كان النجاشي على دين عيسى عليه السلام) حتى جعله يقول:"إن هذا والذي جاء به عيسي ليخرج من مشكاة واحدة".

-تحريك القلوب والمشاعر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت