الصفحة 1697 من 3812

كما فعل جعفر، إذ قال:".. خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نُظلَم عندك.."، فإذا أحب المدعو داعيه نصره واتبعه، وإذا أحب الداعي من يدعوه كان ذلك دليلا واضحا سريعا على أنه يحمل له الخير كله والسعادة كلها في الدارين.

-اختيار الشخصيات المؤثرة:

فبهدايتها سيهتدي غالبا على يديها الكثيرون، والواقع يثبت ذلك، ولذا فبمجرد أن أتت جعفر الفرصة المناسبة للتحدث مع الملك، حدثه بما يناسب من ألفاظ ومعانٍ وفي إطار الاحترام وحفظ المكانة وعدم إسقاطها، فقد بدأ حديثه بقوله:"أيها الملك"، ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو المؤثرين الأغنياء الأقوياء، كما كان يدعو البسطاء الفقراء، كما روت السيرة ذلك.

-الدعاء والتوكل:

فهو قبل كل شيء وأثناءه وبعده، فقد قال لهم صلى الله عليه وسلم عند هجرتهم موصيا ومطمئنا:".. هي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه.."، مع الاستعداد للتضحية والثبات على ما يراه حقا بما لا يخِلّ بالتوسط والاعتدال دون إفراط أو تفريط؛ لأن الغريب قد يستضعفه البعض أو يستهين به، خاصة إذا كان منفردا وفي بلد تِقلّ فيه أخلاق الإسلام.

-التدرج:

كما فعل جعفر رضوان الله عليه، فقد كان حديثه متدرجا، وعلى جلستين أو أكثر، حيث بدأ بعرض حالهم التعس في الجاهلية، ثم حالهم السعيد بعدما جاءتهم التذكرة بالإسلام، ثم موقف قومهم منهم ومن الحق الذي معهم:"فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان"، ثم تفكيرهم في كيفية التصرف وهم لا زالوا ضعفاء:"فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا خرجنا إلى بلادك"، ثم قراءته عليه شيئا مناسبا من القرآن لما رآه أصبح مستعدا لذلك.

أخي الحبيب، وبعد هذا الحديث أسوق لك بعض الحلول العملية التي تساعدك في حالتك، ومنها:

1-عليك أولا قبل أي عمل أن تتعرف على واقع المدعوين، من خلال معايشتهم لفترات، وهذا في ذاته دعوة، وله ثوابه الكبير على قدر نواياك؛ لأنه من باب التجهيز للدعوة، فعليك بمعايشة الجيران والزملاء ورواد المساجد والنوادي ونحوها، لمعرفة أي قول يناسبهم وأي فعل يؤثر فيهم، من خلال التعرف على أسلوب معيشتهم، ومأكلهم، ومشربهم، وأوقات راحتهم، وأماكن تجمعهم، وأكثر حواراتهم، وأكبر انشغالاتهم، وأهم ثقافاتهم، وأولويات تفكيرهم، وأشهر أعمالهم وإنتاجهم ونحو ذلك.

2-عليك بالبحث (ما أمكن) عن تجمعات ذات فكر معتدل ودعوة متكاملة، لا تركز على بعض الجوانب دون بعضها، كجمعيات خيرية، أو أحزاب سياسية صالحة، أو مؤسسات اجتماعية، أو منظمات مدنية، أو ما شابه هذا، فكن معهم وعاونهم بالفكر والجهد والمال وغيره، فيما يقومون به من أنشطة دعوية إصلاحية، فإنهم يسعون جاهدين صادقين لنصح المجتمع والأخذ بيده للتمسك بالإسلام من أجل إصلاحه وإسعاده.

3-عليك أن تكون قدوة صالحة سعيدة بينهم ولهم، كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم، مع كل من حولك، بدءا من بيتك، ومرورا بمسجدك وناديك، وانتهاء بمكان عملك، فتكون حسن المظهر بسَّاما ضحَّاكا صادقا في مشاعرك وأقوالك وأفعالك، أمينا وفيا بوعودك ومواعيدك، متعاونا متسامحا عادلا، إلى غير ذلك مما سيؤثر فيهم كثيرا وسريعا.

4-عليك أن تكون متحاورا مُجيدا لفنون الحوار، فتستمع بداية جيدا وبكل إنصات كما كان صلى الله عليه وسلم، ولا تقاطع ولا تستهزئ ولا تتعالى ولا تتجادل، ثم تعرض الحق برفق ولين وتبسم، موجَزا واضحا مُقنِعا، بأدلته ما استطعت، وبنفس صادقة مُحِبَّة مشفقة، حريصة على هداية وإسعاد مَن أمامها لتسعد مثلها.

5-عليك بحفظ بعض آيات من القرآن الكريم، وبعض من الأحاديث النبوية الشريفة، مع بعض القراءات والثقافات العامة والشرعية، ونحو ذلك مما يعينك على الحديث معهم والتأثير فيهم.

6-عليك باستخدام الدعوة الفردية، مع التركيز على فرد أو اثنين أو أكثر، ويا حبذا لو كانوا من تختارهم للدعوة الفردية أصحاب شخصية مؤثرة، وأصحاب مناصب أو مكانة علمية أو مالية أو نحوها، من جيرانك أو زملائك في العمل أو رواد المسجد أو النادي، فتبدأ بالتعارف التفصيلي ما أمكن معهم، والتمهيد لدعوتهم، بعونهم، وتقديم الخدمات والهدايا البسيطة المناسبة لهم، والسؤال عنهم، ومشاركتهم في أفراحهم وأحزانهم ورياضاتهم وترويحهم الحلال، ثم أثناء كل هذه العلاقات الاجتماعية الطيبة يرون أخلاقك الحسنة، ويستمعون لحديثك الطيب وتهاديهم بأشرطة أو كتيبات للدعاة المعتدلين، أو تستمعون سويا لبرنامج إعلامي جيد، أو تتعاونون سويا على بعض الصيام أو القيام، أو تتفقون سويا على الالتزام بُخلق كل أسبوع، كحفظ اللسان مثلا، أو غض البصر، أو بر الوالدين، أو ما شابه هذا، مما يعينكم جميعا على التغير مع الوقت.

7-عليك بالتدرج، فقد ربَّي القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة الكرام تدريجيا، ومع كل فرد بما يناسبه، وبما يستطيعه.

ومع هذا لا تنس بالطبع استخدام الإنترنت فيما هو مفيد وحلال ومؤثر، من خلال استخدام ساحات الحوار والمراسلات ونحوها.

ولا تنس قبل كل شيء التوجه بالدعاء للمولى عز وجل، والتوكل عليه سبحانه، أن يعينك ويوفقك ويفتح أمامك كل ما هو مُغلق، وذلك مع استحضار واستشعار ثوابك العظيم، كما يقول صلوات الله عليه:"َمن دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله" [رواه مسلم] ، فهو سيكون من خير الدوافع لك للعمل والإقدام عليه والاستمرارفيه.

وفقك الله وأعانك، ولاتنسنا من صالح دعائك.

خائفة على مستقبل أولادي .. من زرع حصد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت