الصفحة 1703 من 3812

يا أمَّ التوأم، إني أصَدقكِ، وأُطَمْئن فؤادكِ بأن كل ما تحدثت عنه في رسالتك من الحرف الأول للحرف الأخير هي كلها ظواهر عادية، وسُنَنٌ طبيعية، وكأس لا بد أن يشربَ منه كل تائب، وكل سالك لطريق الالتزام، في القديم والحديث، وكأنها"دورة تدريبية"يخوضها التائب، فيغتسل خلالها بدموعه - ولا غير - ليزيل رواسب المعصية وعلائق الغفلة، ويشعر أثناءها ألا مكان له في هذه الدنيا، ويتمنى لو أنه لم يولَد، ولكن ما إن تُدْركه رحمات الله، تهدأ نفسه، وتقرّ عينه، وينعم بلذة القُرْب، ويلحقه بَرَد الطمأنينة بعد أن أحرقته نار الندم.

وحتى يصل إلى هذا فإنه يحتاج إلى مجاهَدَة، بل إلى مجاهَدَات، وإلى التمسُّك بالأمل والرجاء في رحمة الله عز وجل، وعدم القنوط، وقد جاء في الأثر أن من أدمن قَرْع الباب، يوشَكُ أن يُفتَحَ له، فلا تملِّي من قرع أبواب ربك، والزمي عتبته، ولوذي بجنابه، وعليك بالقرآن فإنه شفاء لما في الصدور.

ولتتذكري معاناة الصحابة الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، ولما عاد النبي صلى الله عليه وسلم من الغزو سارع إليه المخلَّفون ليعتذروا إليه، أما هم فآثروا ألا يكذبوا، فلم يقدموا عذرًا للنبي صلى الله عليه وسلم، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم - بوحي من الله عز وجل - تربيتهم وتمحيصهم، فقاطعهم، وأمَرَ المسلمين جميعًا بمقاطعتهم، فعاشوا خمسين يومًا تحرقهم نار الندم، وأشد منها نار جفاء الأحباب وأقرب الناس، وما أشدَّها من نار، وتعرَّضوا خلال هذه الفترة إلى العديد من الفتن والإغراءات لصدهم عن طريق الاستقامة، وجذبهم إلى طريق الغواية، ولكنهم صمدوا أمام تلك الفتن والإغراءات كلها، وكلهم أملٌ في الله عز وجل أن يزيح تلك الغُمَّة ويقبل توبتهم ويفتح أحضان أحبابهم لهم، حتى تاب الله عز وجل عليهم، ونزلت البشرى من فوق سبع سماوات:"لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم . وعلى الثلاثة الذين خُلِّفُوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحُبَت وضاقت عليهم أنفسهم وظنُّوا ألا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم"، وسميت السورة بسورة التوبة تعظيمًا لهذه الحادثة، ولهذا الكرم الإلهي، وأيضًا لصبر هؤلاء وثباتهم.

وما أروع قوله عز وجل يداوي من مسَّتهم جراحات الذنوب:"قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم".

نأتي بعد ذلك لكتاباتك .. لقد قلتِ في توصيف ما كنت تكتبينه: إنه"لم يكن كُفرًا أو حرامًا"، فلِمَ إذن حكمْتِ عليه بأنه كان بعيدًا عن طريق الله عز وجل ؟‍‍‍‍!.

إن الكتابة الإسلامية أو الأدب الإسلامي، لا يلزم أن يكون بالضرورة تناولًا لجوانب العقيدة، أو فقه العبادات، أو غيرها من الموضوعات الشرعية، وليست قاصرة على الخُطب المدبجة بالآيات والأحاديث وأقوال السلف، وفقط.

إن كل مقال، وكل قصة، وكل قصيدة، وكل لَوْن من ألوان الكتابة والأدب، يغدو إسلاميًّا إذا كان في مُجْمَله يدعو إلى فضيلة، أو يحُثُّ على خُلِق كريم، وكانت الألفاظ والمفردات التي يستخدمها نظيفة، بعيدة عن الإسفاف والابتذال.

إنَّ الإسلامَ دينٌ يلتحم بكل جوانب المجتمع، ومن بينها الجانب الثقافي، ويضع الإطار الصحيح الذي ينبغي أن تندرج فيه مختلف الفنون والآداب ليحفظ للناس عقولهم وقلوبهم.

أختنا الكريمة، إن الكتابة التي نستطيع أن نطلق عليها أنها بعيدة عن طريق الله، تلك التي يكون هدفها إثارة الغرائز وتحريك الشهوات، وتضييع الأوقات، وبث المبادئ والأفكار الهدَّامة التي تعبث بعقول أبناء الأمة، وتدفع بها في طريق التفاهة المهلكة.

فإن كانت كتاباتك السابقة من هذا النوع أو تقترب منه، فإن من تمام توبتك، وتدعيمًا لها لتُقبَل عند الجليل العلام أن تغمسي قلمك الذي كتب تلك الكلمات في مِدَاد الطهر، وتكتبي به كلمات أخرى تمحو كلماتك السابقة، ليتحقق فيك قول الله عز وجل:"إلا مَن ظَلَم ثُمَّ بدَّل حُسْنًا بعد سُوءٍ فإنِّي غفورٌ رحيمٌ".

وليعزِّز هذا التزامك بالعبادات والفرائض، وكثرة الوقوف بين يدي الله عز وجل، وطلب الصفح منه والمغفرة، لتُذْهِبَ حسناتُك سيئاتِك، مصداقًا لقوله عز وجل:"وأقمِ الصلاةَ طرَفَي النَّهار وزُلفًا من الليل إنَّ الحسناتِ يُذهبْنَ السيئات ذلك ذكرى للذَّاكرين".

أختنا الكريمة، إننا ندعوكِ إلى استثمار هذه القدرة التي لديك والموهبة، في إبداع الأعمال التي تخدمين بها دينك وبَني أمتك، فالقلم الذي يستطيع الإبداع، يمكن لصاحبه أن يغمسه في المداد الذي يريده، ليجري على الصفحات بما استقر في القلب وتمكَّنَ من الجَنان.

لا تحكمي على موهبتك بالإعدام، ولا تخنقيها لتموت، فإن ما يُحزن القلب ويؤلمه، أننا نجد الكثير من أصحاب المواهب النافعة عندما يمُنُّ الله عز وجل عليهم بالالتزام بعد الضياع، والهُدَى بعد الضلالة - نجدهم يعتزلون الحياة ويدفنون مواهبهم وإمكاناتهم وقدراتهم، ولو أنهم استثمروها في خدمة قضايا أمتهم لحققوا الكثير من الخير لدينهم ولأنفسهم ولبني أمتهم.

فما أحوج الإسلام لكل قلم يدعو وينافح ويبدع، أيا كانت نوعية هذا الإبداع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت