الصفحة 1704 من 3812

أما ما تحكين عنه من انصراف الناس عنك، وغلق الأبواب دونك، وصَمَم الآذان عن سماع كلماتك، بعد أن سلكت طريق الالتزام، فإن هذه كلها أعراض طبيعية، وكان عليك أن تتوقعي حدوثها؛ ولقد ذكِّرني كلامك بالممثلات اللاتي ينعم الله عليهن بالتوبة ونبذ المعصية، وما يلاقينه بعد التزامهن من حرب شعواء، وإغراءات وفتن، وتنكُّر من الأصدقاء والأتباع الذين كانوا يتمنون لحظة رضًى منهن.

إن ما يحدث معك سُنة طبيعية درج عليها البشر في القديم والحديث، ألم تسمعي ماذا قال قوم ثمود لنبيهم صالح عليه السلام بعد أن أعطاه الله النبوة والرسالة:"قالُوا يا صالحُ قد كنتَ فينا مَرْجوًّا قبل هذا أتنهانا أن نعبدَ ما يعبدُ آباؤنا وإننا لفي شكٍّ ممَّا تدعونا إليه مُريب"، لقد كانوا يعدُّونه كبيرهم وحكيمهم قبل النبوة، فلما جاءته النبوة وبدأ في دعوتهم لتوحيد الله عز وجل، ونبْذ ما يعبدونه من أوثان، نسُوا حكمته وعِلمه، وقالوا كلماتهم تلك اتباعًا لهواهم وخبث طويتهم.

ونرى نفس القصة تتكرر مع نبينا صلى الله عليه وسلم، حيث كان قومه يلقبونه بالصادق الأمين، ويعرفون له فضله وكرامته، فلما جاءته النبوة ودعاهم لله عز وجل، وصموه بالكذب والسحر والكهانة .. إلى آخر تلك الأوصاف المفتراة.

وانظري - أختي الكريمة - إلى هذا المشهد الذي يشهد على ظلم بني البشر لأنفسهم وللناس، ولاستعداد بعضهم أن يغير معتقده في لحظة، ويقول الشيء وضده في نفس المجلس، اتباعًا لهواه، دون وازع من خُلُق أو دين:

لقد كان عبد الله بن سلام رضي الله عنه، من أكبر علماء اليهود، ثم منَّ الله عز وجل عليه بنعمة الإيمان والإسلام، وروى الإمام البخاري أن عبد الله ذهب للنبي صلى الله عليه وسلم وقال له: أشهدُ أنك رسول الله، وأنك جئت بحقٍّ، وقد علمت يهود أني سيِّدهم وابن سيِّدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فيَّ ما ليس فيَّ. فأرسل نبي الله صلى الله عليه وسلم، فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا معشر اليهود، ويلكم، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أني رسول الله حقًّا، وأني جئتكم بحق، فأسلموا". قالوا: ما نعلمه، قالها ثلاث مِرارٍ، ثم قال:"فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟". قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال:"أفرأيتم إن أسلم ؟". قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال:"أفرأيتم إن أسلم ؟". قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال:"أفرأيتم إن أسلم ؟". قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال:"يا ابن سلام اخرج عليهم". فخرج فقال: يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق. فقالوا: كذبت، فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمشهد غني عن التعليق.

إن جمهورَك وقُرَّائك لا بد بالطبع أن يقلوا، فالسُّنة الربانية الثابتة:"وما أكثرُ الناسِ ولو حرصْتَ بمؤمنين"،"وإن تُطعْ أكثرَ مَنْ في الأرض يُضِلُّوكَ عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظنَّ وإنْ هُم إلا يخرُصُون"، فالأخيار دائمًا هم القلة، أما جمهور الخبيث من الأقوال والأفعال فكثير كثير.

لذا لا ينبغي أن يكون من نتائج ذلك أبدًا شعورك بالهزيمة النفسية أمام هذه العوارض، بل الأولى أن تدفعك إلى الثبات ومواجهة التحدي، وإثبات ذاتك في ميدان الأدب النظيف، رضي بذلك جمهورك القديم أم لم يرضَ. ولتبحثي عن ميادين جديدة تشاركين فيها بقلمك إن أغلقت دونك الميادين القديمة، وفي المواقع والمنتديات والمجلات والصحف النظيفة متسع لك ولأقرانك.

أما أن تنغلقي على نفسك، وتتحسري على الأيام الخوالي، مما قد يؤدي إلى اهتزاز ثقتك بنفسك وبربك، فهذا بالضبط ما يريده منك الشيطان وأعوانه، أن يضلوك عن سبيل الله بعد أن اهتديت إليها، بقذف هذه المشاعر السلبية في قلبك وعقلك.

أخيرًا أختي الكريمة، استعيني بالله ولا تعجزي، واحملي قلمك من جديد، ومرحبًا بك دائمًا، وبرسائلك ومشاركاتك معنا على صفحات الموقع المختلفة.

التنافس الدعوي بين الزوجين .. بناء لا هَدْم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

نشكر لكم جهودكم في هذا الباب، ونسأل الله أن يثيبكم عليها.

قبل أن نَعرِض للاستشارة، نودُّ لو تمكن من الردِّ عليها الأستاذ الدكتور كمال المصري.

نريد أن نعرف: ما هي أفضل الوسائل العمليَّة لدعوة الزوج عمومًا ؟ وكيف تؤتي ثمارها في الحالات الآتية خاصَّة، ولكن نريد أن نلفت نظركم إلى نقطةٍ حتى لا يتكرَّر الحديث عنها، وهي أنَّه قد جاء في استشارةٍ مماثلةٍ النصح منكم بأن تشعره بالحبِّ وتؤدِّي ما عليها له كاملًا، ولكنَّ الواقع يكون غير ذلك تمامًا، فأنتم تعرفون أنَّه من الصعب جدًّا إشعار أحدٍ بالحبِّ من قِبَل من يتعلَّق قلبه بالله، ويغضب لمحارمه، لإنسانٍ يبدو أنَّه يجابه الله بالمعصية، كبُرَتْ أوْ صغُرَت !.

وأمَّا الحالات التي أخصُّها بالذكر هي:

أوَّلًا: إذا كانت الزوجة تترقَّى في سُلَّم معرفة الله عزَّ وجلّ، وخصوصًا بعد تعرُّفها على أخواتٍ صالحاتٍ يعينونها على الحقِّ والصبر في مجال الدعوة إلى الله، فأصبحت ترى أنَّ زوجها مقصِّرٌ في حقِّ الله مع تباين هذه النظرة من زوجةٍ لأخرى، واختلاف هذا البعد عن الله من زوجٍ لآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت