فهرس الكتاب
ثانيًا: إذا كان الزوجان اختار كلٌّ منهما الآخر على أساسٍ ليس دينيًّا فقط، وإنَّما على مقياسٍ دعويٍّ أيضًا، بمعنى أن كلاًّ منهما كان عاملًا في الدعوة، واستمرَّت الزوجة وأصبحت تترقَّى في دعوتها، في حين فترت همَّة الزوج لأسبابٍ عديدةٍ، منها بعده عن مكان دعوته وعن إخوانه لتغرُّبه طلبًا للرزق، وللفراغ الطويل في هذه البلاد أيضًا، ولا يخفى عليكم أنَّ في هذه الغُربة لا يوجد - أو بالأحرى تُفقَد - كثيرًا من مجالات الخير، منها صلة الرحم إلا بالتليفون، والبعد عمَّا يتعرَّضون له من مشكلات"الأهل أعني"وغيرها من مجالات البرِّ والإحسان، ناهيكم عن فقدان الأخوَّة في الله والتي هي خير معينٍ على الطريق.
ثالثًا: إذا اختلف فكر الزوجين، رغم أنَّهما يعملان في الدعوة، ولكن على سبيل المثال انتمت الزوجة لجماعةٍ مغايرةٍ لما ينتمي لها زوجها، وأصبح الزوج يرى أنَّها ليست على نهج الرسول في دعوتها، وأنَّ بإمكانه منعها عمَّا هي عليه، ولكنَّه يتجنب الاحتكاك بها الآن، وسوف تأتي الفرصة لكي يمنعها من دعوتها، والزوجة ترى أنَّ دعوته سطحيَّةٌ جدًّا، لدرجةٍ استفزازيةٍ لا تستطيع معها أحيانًا أن تناقشه ليتبيَّن الصواب، فهي تنتمي لفكرٍ شموليٍّ يتعامل مع الإسلام كلِّه بدون تجزئة، ولذلك فهي تستوعب تقصيره في باقي جوانب الدين، وتحاول أن تقنعه بما لديها أحيانًا شفقةً منها، وأحيانًا تغيُّظًا منه ودفاعًا عن جماعتها، ولكنَّها تقابَل باستهزاءٍ شديدٍ منه.
وختامًا نرجو منكم ملاحظة رفض الزوج عمومًا لأيِّ نصحٍ من قِبَل الزوجة، خاصَّةً إن كان هذا فيما يخصُّ الدين، وما تحليلكم أنتم لهذا السبب ؟ وهو ما يشعر به الزوج من كِبْرٍ يمنعه من تلقِّي النصح من زوجه، وقد يكون فيه نجاتُه من عذاب الله، وقد علمنا أنَّ نساء السلف الصالح كُنَّ ينصحن أزواجهنّ، وتقول له إحداهنَّ وهو ذاهبٌ ليسترزق:"اتَّقِ الله ولا تطعمنا إلا حلالًا، فإنَّا نصبر على الجوع ولا نصبر على جهنَّم"، وكان أزواجهنَّ على ما هم عليه من قربٍ ومصاحبةٍ للرسول ؟. …السؤال
آداب وأخلاق, مشكلات في الدعوة والحركة, العائلة …الموضوع
الدكتور كمال المصري…المستشار
……الحل …
…أختي الفاضلة حنان،
جزاكم الله خيرًا على الثقة التي طالما أوليتنا إيَّاها، وأسأل الله تعالى أن نكون كما تريننا.
بالنسبة لسؤالك حول أفضل الوسائل في دعوة الزوجة لزوجها، فقد تطرَّقنا لها كثيرًا في استشاراتٍ سابقة، أنصحك بالرجوع إليها، وعناوينها:
-أنا وزوجي تكاسلنا .. فلتبدئي أنت النشاط
-زوجي ليس كما ظننت .. راجعي واجباتك وانتقي كلماتك
-زوج محب كريم.. ولكنه لا يصلي!
-ممارسة الإسلام في كل شئون الأسرة.. وزوج لا يساعد!!
-زوجي أديب ومتدين.. مشكلته في همَّته وثقافته
-زوجي رائعٌ في كلِّ شيء.. لكنه لا يصلِّي الفجر
أمَّا الموضوع الأكثر أهمِّيَّة فهو سؤالك الذي تعاني منه الكثير من البيوت، والذي فيه تراجع همَّة الزوج عن همَّة زوجته، وقبل الدخول في تفاصيله نُجيب عن النقطة التي تفضَّلت بطرحها بقولك:"ولكن نريد أن نلفت نظركم إلى نقطةٍ حتى لا يتكرَّر الحديث عنها، وهي أنَّه قد جاء في استشارةٍ مماثلةٍ النصح منكم بأن تشعره بالحبِّ وتؤدِّي ما عليها له كاملًا، ولكنَّ الواقع يكون غير ذلك تمامًا، فأنتم تعرفون أنَّه من الصعب جدًّا إشعار أحدٍ بالحبِّ من قِبَل من يتعلَّق قلبه بالله، ويغضب لمحارمه، لإنسانٍ يبدو أنَّه يجابه الله بالمعصية، كبُرَتْ أوْ صغُرَت!.".
في الواقع يا أختي الكريمة أنني أؤيدك فيما قلتِ في جانبٍ منه، وأحتاج إلى توضيحٍ في جانبٍ آخر.
أؤيدك في صعوبة حبِّ الملتزم لمن يجابه الله تعالى بالمعصية، ولكنَّ الحبَّ مراتب، هذه المرتبة التي تتحدَّثين عنها هي أعلاها، وهي مرتبةٌ لا تكون إلا بين الطبقات العُليا من المؤمنين، أمَّا الحبُّ كقيمة، فهو حقُّ العالَمين على المسلمين، والدعاة أخَصُّ هؤلاء، وما أبدع ما قاله شيخ الزهَّاد عبد القادر الكيلاني واصفًا الدعاة:"هم قيامٌ في مقام الدعوة، يدعون الخَلْقَ إلى معرفة الحقِّ عزَّ وجلّ، لا يزالون يدعون القلوب".
وأيُّ وسيلةٍ غير الحبِّ لدعوة القلوب ؟؟.
ولو نظرنا إلى وصف القرآن الكريم للرسول صلى الله عليه وسلم المرسَل إلى قومه لوعَيْنَا ذلك:"لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتُّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رءوفٌ رحيم"، قال الإمام القرطبيّ:"والخطاب للعرب في قول الجمهور، وقال الزجَّاج: هي مخاطبةٌ لجميع العالم"، وليس الحرص إلا صورةٌ من صور الحبّ، وما الحرص (الحبّ) للمؤمنين فقط، بل هو للعالَمين.
وحتى عند البُغْض، فإنَّ ديننا لا يجعل بُغْضَ العاصي لشخصه، وإنَّما هو بغضٌ لفِعْله، فإذا ترك هذا الفعل حلَّ الحبُّ من جديد.
وكلُّ ما سبق هو للعالَمين، فكيف بأقرب المقرَّبين وهو الزوج، إنَّ الزوج إذا فعل المعصية أبغضنا معصيته، ولكن بقي في القلب حبُّ الخير له، هذا الحبُّ الذي يجب أن يغلب البغض حتى يُصلِح الله تعالى حاله وأمره.
كما أظنُّ أنَّ زوجك ليس على هذه الدرجة من المعصية، فمِنْ كلامك يبدو أنَّه قد يكون مقصِّرًا في الطاعات، لكن ما أخاله قد وقع في المعاصي.
أمَّا حديثك عن كونه يقصِّر في حقِّ الله تعالى، فإنَّ التعميم هنا صعب، يجب أن تُدرَس كلُّ حالةٍِ بحالها، وأن تنظر الزوجة في قدر تقصير زوجها، وفي كيفيَّة علاجه لا تركه في ضعفه.
المطلوب هو: محاولة إصلاحه بالحبّ.
الأمر صعبٌ نعم، ولكن متى كانت الدعوة مفروشةً بالورود؟؟ ومتى كان الدعاة يأبهون بذلك ؟؟؟.